صديق الحسيني القنوجي البخاري

487

فتح البيان في مقاصد القرآن

ليس المراد به الانحراف عن الحق ، فهذا كقوله تعالى : ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ [ الشورى : 52 ] تأمل . وقال الكلبي والسدي والفراء وجدك في قوم ضلال فهداهم اللّه بك ، أو فهداك إلى إرشادهم أو ضالا عما أنت عليه الآن من الشريعة فهداك اللّه تعالى إليها ، وقيل وجدك ضالا عن الهجرة فهداك إليها ، وقيل ناسيا شأن الاستثناء حين سئلت عن أصحاب الكهف وذي القرنين والروح فذكرك كقوله تعالى : أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما [ البقرة : 282 ] وقيل وجدك طالبا للقبلة فهداك إليها كما في قوله : قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها [ البقرة : 144 ] ويكون الضلال بمعنى الطلب لأن الضال طالب . وقيل وجدك ضائعا في قومك فهداك إليهم ويكون الضلال بمعنى الضياع ، وقيل وجدك محبا للهداية فهداك إليها ، ويكون الضلال بمعنى المحبة ، كقوله تعالى : إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ [ يوسف : 95 ] وقيل وجدك ضالا في شعاب مكة فهداك أي ردك إلى جدك عبد المطلب . وعن ابن عباس قال وجدك بين الضالين فاستنقذك من ضلالتهم ، وقيل ضل في طريق الشام حين خرج به أبو طالب فرده إلى القافلة . ولا يجوز أن يفهم به عدول عن حق ووقوع في باطل ، فقد كان صلى اللّه عليه وآله وسلم من أول حاله إلى نزول الوحي عليه معصوما من عبادة الأوثان ، وقاذورات أهل الفسق والعصيان . وقيل ضالا نفسك لا تدري من أنت فعرفك نفسك وحالك ، وقيل ضالا ليلة المعراج حين انصرف عنك جبريل وأنت لا تعرف الطريق فهداك إلى ساق العرش ، وقيل معناه لا أحد على دينك بل أنت وحيد ليس معك أحد فهديت بك الخلق ، وقيل الخطاب للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم والمراد غيره وفيه بعده ، وأيضا يأباه النظم الكريم . وعندي أن الضلال والهدى عامان في هذه الآية فيشملان كل نوع من أنواع الضلالة والهداية بيد الكفر والشرك لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى أي وجدك فقيرا لا مال لك فأغناك ، يقال عال الرجل يعيل عيلة إذا افتقر ، قال الكلبي فأغنى أي رضاك بما أعطاك من الرزق واختار هذا الفراء قال : لأنه لم يكن غنيا من كثرة ، ولكن اللّه سبحانه رضاه بما آتاه وذلك حقيقة الغنى ، وقيل بإعانة الأنصار حين الهجرة وقيل فأغنى بما فتح لك من الفتوح والغنائم ، وفيه نظر ، لأن السورة مكية وقيل بمال خديجة بنت خويلد وتربية أبي طالب أولا وبمال أبي بكر ثانيا ، وقيل وجدك فقيرا من الحجج والبراهين فأغناك بها وفيه بعد .