صديق الحسيني القنوجي البخاري
484
فتح البيان في مقاصد القرآن
اللغة ، ومعنى سكونه استقرار ظلامه واستواؤه فلا يزاد بعد ذلك ، وقال ابن عباس إذا أقبل وعنه قال إذا ذهب . ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ أي ما تركك ، قاله ابن عباس وهذا جواب القسم أي ما قطعك قطع المودع ، قرأ الجمهور بتشديد الدال من التوديع وهو توديع المفارق ، وقرىء بتخفيفها من قولهم ودعه أي تركه والتوديع أبلغ من الودع لأن من وعدك مفارقا فقد بالغ في ترك . قال المبرد لا يكادون يقولون ودع ولا وزر لضعف الواو إذا قدمت واستغنوا عنها بترك ، قال أبو عبيدة ودعك من التوديع كما يودع المفارق ، وقال الزجاج لم يقطع الوحي ، والتوديع مستعار استعارة تبعية للترك فإن الوداع إنما يكون بين الأحباب ومن تعز مفارقته ، وهذه الحقيقة لا تتصور هنا . وَما قَلى أي ما أبغضك ، قاله ابن عباس : القلاء البغض ، يقال قلاه يقليه قلأ وقال ما قلى ، ولم يقل وما قلاك لموافقة رؤوس الآي . وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى اللام جواب قسم محذوف أي الجنة خير لك من الدنيا مع أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم قد أوتي في الدنيا من شرف النبوة ما يصغر عنده كل شرف ، وتتضاءل بالنسبة إليه كل مكرمة في الدنيا ، ولكنها لما كانت الدنيا بأسرها مشوبة بالأكدار منغصة بالعوارض البشرية ، وكانت الحياة فيها كأحلام نائم أو كظل زائل ، لم تكن بالنسبة إلى الآخرة شيئا ، ولما كانت طريقا إلى الآخرة وسببا لنيل ما أعده اللّه لبعاده الصالحين من الخير العظيم بما يفعلونه فيها من الأعمال الموجبة للفوز بالجنة كان فيها خير في الجملة من هذه الحيثية . وإنما قيد بقوله « لك » لأنها ليست خيرا لكل أحد . قال البقاعي إن الناس على أربعة أقسام منهم من له الخير في الدارين وهم أهل الطاعة الأغنياء ، ومنهم من له الشر فيهما وهم الكفرة الفقراء ومنهم من له صورة خير في الدنيا وشر في الآخرة وهم الكفرة الأغنياء ، ومنهم من له صورة شر في الدنيا وخير في الآخرة وهم الفقراء المؤمنون ، ذكره الخطيب . وعن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « عرض عليّ ما هو مفتوح لأمتي بعدي فأنزل اللّه وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى » أخرجه الطبراني في الأوسط والبيهقي في الدلائل ، وعنه قال « عرض على رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ما هو مفتوح على أمته من بعده فسر بذلك فأنزل اللّه » . وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى قيل هي لام الابتداء دخلت على الخبر لتأكيد مضمون الجملة والمبتدأ محذوف تقديره ولأنت سوف يعطيك ، وليست للقسم لأنها