صديق الحسيني القنوجي البخاري
477
فتح البيان في مقاصد القرآن
العذاب والمعنى سنهيئه للشر بأن نجريه على يديه ، قال الفراء سنيسره سنهيئه ، والعرب تقول قد يسرت الغنم إذا ولدت أو تهيأت للولادة ، قال ابن عباس للعسرى للشر من اللّه وقيل للنار . وأخرج البخاري ومسلم وأهل السنن وغيرهم عن علي بن أبي طالب قال : « كنا مع النبي صلى اللّه عليه وسلم في جنازة فقال : ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار فقالوا يا رسول اللّه أفلا نتكل ؟ فقال اعملوا فكل ميسر لما خلق له ، أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة ، وأما من كان من أهل الشقاء فييسر لعمل أهل الشقاء ثم قرأ فَأَمَّا مَنْ أَعْطى إلى قوله لِلْعُسْرى » « 1 » . وأخرج أحمد ومسلم وغيرهما عن جابر بن عبد اللّه أن سراقة بن مالك قال : « يا رسول اللّه في أي شيء يعمل ، أفي شيء ثبتت فيه المقادير وجرت به الأقلام أم في شيء يستقبل فيه العمل ، قال بل في شيء ثبتت فيه المقادير ، وجرت فيه الأقلام ، قال سراقة : ففيم العمل إذن يا رسول اللّه ؟ قال اعملوا فكل ميسر لما خلق له ، وقرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم هذه الآية فَأَمَّا مَنْ أَعْطى إلى آخرها » « 2 » . وقد تقدم حديث عمران بن حصين في السورة التي قبل هذه ، وفي الباب أحاديث من طريق جماعة من الصحابة قال الفراء : لقائل أن يقول كيف قال ذلك وهل في العسرى تيسير ؟ انتهى . وإيضاح الجواب عن هذا ما ورد في الحديث « اعملوا فكل ميسر لما خلق له » « 3 » أي عليكم بشأن العبودية وما خلقتم لأجله وأمرتم به ، وكلوا أمور الربوبية الغيبية إلى صاحبها فلا عليكم بشأنها ، ونظيره الرزق المقسوم مع الأمر بالكسب ، والأجل المضروب في العمر مع المعالجة بالطب ، فإنك تجد المغيب فيهما علة موجبة ، والظاهر البادي سببا مخيلا وقد اصطلح الناس خاصتهم وعامتهم أن الظاهر فيهما لا يترك بسبب الباطن ، قاله الكرخي . وَما أي لا يُغْنِي عَنْهُ شيئا مالُهُ الذي بخل به وتركه لوارثه ولم يصحبه منه إلى آخرته إلي هي موضع فقره وحاجته شيء أو أي شيء يغني عنه إِذا تَرَدَّى أي هلك ، يقال ردي الرجل يردى ردى وتردى يتردى إذا هلك ، وقال قتادة وأبو
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 92 ، باب 3 ، 4 ، 5 ، والقدر باب 4 ، والتوحيد باب 54 ، ومسلم في القدر حديث 17 ، وأبو داود في الأدب باب 120 ، والترمذي في القدر باب 3 ، وابن ماجة في المقدمة باب 10 ، وأحمد في المسند 1 / 29 ، 133 ، 140 . ( 2 ) أخرجه مسلم في القدر حديث 8 ، وابن ماجة في المقدمة باب 10 ، وأحمد في المسند 3 / 293 . ( 3 ) تقدم الحديث مع تخريجه ، راجع الحاشيتين السابقتين .