صديق الحسيني القنوجي البخاري
468
فتح البيان في مقاصد القرآن
بالطلوع ، وفي آخر الشهر يتلوها بالغروب ، وقال الفراء تلاها أخذ منها يعني أن القمر يأخذ من ضوء الشمس ، قال ابن عباس تلاها تبعها . والأول أن يفسر تلوه لها بكون ضوئه يخلفها ويجيء بعد مغيبها سواء كان ذلك من غير تراخ وهو في النصف الأول من الشهر ، أو بعد مدة وذلك في النصف الثاني من الشهر فإن القمر إذا طلع في نصف الليل يقال إنه تلاها في ظهور الضوء أي خلفها فيه ولو بعد تخلل مدة ظلمة فليتأمل . وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها أي أضاءها ، قاله ابن عباس ، وذلك أن الشمس عند انبساط النهار تتجلى تمام الإنجلاء فكأنه جلاها مع أنها التي تبسطه وقيل الضمير عائد إلى الظلمة أي جلى الظلمة وإن لم يجر للظلمة ذكر لأن المعنى معروف ، قال الفراء تقول أصبحت باردة أي أصبحت غداتنا باردة ، والأول أولى ، ومنه قول قيس بن الخطيم . تجلت لنا كالشمس تحت غمامة * بدا حاجب منها وضنت بحاجب « 1 » وقيل المعنى جلى ما في الأرض من الحيوانات وغيرها بعد أن كانت مستترة في الليل ، وقيل جلى الدنيا وقيل جلى الأرض . وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها أي يغشى الشمس فيذهب بضوئها فتغيب وتظلم الآفاق وقيل يغشى الآفاق وقيل الأرض ، وإن لم يجر لهما ذكر لأن ذلك معروف ، والأول أولى . قال الخطيب : وجيء به مضارعا دون ما قبله وما بعده مراعاة للفواصل إذ لو أتى به ماضيا لكان التركيب : إذا غشيها فتفوت المناسبة اللفظية بين الفواصل والمقاطع انتهى . والمعنى يغطيها بظلمته أي فيزيل ضوؤها فالنهار يجليها ويظهرها والليل يغطيها ويزيل ضوؤها فالضمير في الفواصل من أول السورة إلى هنا للشمس . وهذه الأقسام الأربعة ليست إلا للشمس في الحقيقة لكن بحسب أربعة أوصاف أولها الضوء الحاصل منها عند ارتفاع النهار ، وذلك هو الوقت الذي يكمل فيه انتشار الحيوان وتحرك الإنسان للمعاش ، ومنها تلو القمر للشمس بأخذه الضوء عنها ، ومنها تكامل طلوعها وبروزها بمجيء النهار ، ومنها وجود خلاف ذلك بمجيء الليل ، ومن تأمل قليلا في عظمة الشمس انتقل منها إلى عظمة خالقها فسبحانه ما أعظم شأنه . وَالسَّماءِ وَما بَناها يجوز أن تكون ما مصدرية أي والسماء وبنيانها ، ويجوز
--> ( 1 ) البيت من الطويل ، وهو لقيس بن الخطيم في ديوانه ص 79 ، وجمهرة أشعار العرب ص 646 ، وديوان المعاني 1 / 229 ، وبلا نسبة في لسان العرب ( حجب ) ، وأساس البلاغة ( حجب ) ، وجمهرة اللغة ص 263 ، والاشتقاق ص 235 ، وتاج العروس ( حجب ) ، ويروى : « تراءت لنا » ، بدل : « تجلت لنا » .