صديق الحسيني القنوجي البخاري

461

فتح البيان في مقاصد القرآن

ثم أخبر سبحانه عن مقال هذا الإنسان فقال : يَقُولُ مفتخرا أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً أي كثيرا مجتمعا بعضه على بعض ، قال الليث مال لبد لا يخاف فناؤه من كثرته ، قال الكلبي ومقاتل : يقول أهلكت في عداوة محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم مالا كثيرا ، وفي أبي السعود يريد كثرة ما أنفقه فيما كان أهل الجاهلية يسمونه مكارم ويدعونه معالي ومفاخر . وقال مقاتل نزلت في الحارث بن عامر بن نوفل أذنب فاستفتى النبي صلى اللّه عليه وسلم فأمره أن يكفر فقال لقد ذهب مالي في الكفارات والنفقات منذ دخلت في دين محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم . قرأ الجمهور لُبَداً بضم اللام وفتح الباء مخففا وقرىء بضمها بالتخفيف وقرىء بضم اللام وفتح الباء مشددا قال أبو عبيدة لبد فعل من التلبيد وهو المال الكثير بعضه على بعض ، قال الزجاج : فعل للكثرة يقال رجل حطم إذا كان كثير الحطم ، قال الفراء واحدته لبدة والجمع لبد ، وقد تقدم بيان هذا في سورة الجن . أَ يَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ استفهام على سبيل الإنكار أي أيظن أنه لم يعاينه أحد ، قال قتادة أيظن أن اللّه سبحانه لم يره ولا يسأله عن ماله من أين كسبه وأين أنفقه ، وقال الكلبي كان كاذبا لم ينفق ما قال ، فقال اللّه أيظن أن اللّه لم ير ذلك منه فعل أو لم يفعل ، أنفق أو لم ينفق . ثم ذكر سبحانه ما أنعم عليه ليعتبر فقال : أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ يبصر بهما المرئيات شققناهما وهو في الرحم في ظلمات ثلاث على مقدار مناسب . لا تزيد إحداهما على الأخرى شيئا وقدرنا البياض والسواد والسمرة والزرقة وغير ذلك على ما ترون ، وأودعناهما البصر على كيفية يعجز الخلق عن إدراكها . وَلِساناً ينطق به ويعبر عما في ضميره وَشَفَتَيْنِ يستر بهما ثغره وفاه ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب والنفخ وغير ذلك ، قال الزجاج : المعنى ألم نفعل به ما يدله على أن اللّه قادر على أن يبعثه ، والشفة محذوفة اللام وأصلها شفهة بدليل تصغيرها على شفيهة وجمعها على شفاه نظير سنة في إحدى اللغتين وشافهته أي كلمته من غير واسطة ، ولا تجمع بالألف والتاء استغناء بتكسيرها عن تصحيحها . [ سورة البلد ( 90 ) : الآيات 10 إلى 20 ] وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ ( 10 ) فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ( 11 ) وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ ( 12 ) فَكُّ رَقَبَةٍ ( 13 ) أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ( 14 ) يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ ( 15 ) أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ ( 16 ) ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ( 17 ) أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ( 18 ) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ ( 19 ) عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ ( 20 ) وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ النجد الطريق في ارتفاع ، قال المفسرون : بيّنا له طريق