صديق الحسيني القنوجي البخاري
455
فتح البيان في مقاصد القرآن
أنها برزت لأهلها كقوله : وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ [ الشعراء : 91 ] والأول أولى . يَوْمَئِذٍ بدل من يومئذ الذي قبله أي يوم جيء بجهنم يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ أي يتعظ ويذكر ما فرط منه ويندم على ما قدمه في الدنيا من الكفر والمعاصي ، وقيل إن قوله : يَوْمَئِذٍ الثاني بدل من قوله : إِذا دُكَّتِ [ الفجر : 21 ] والعامل فيهما هو قوله : يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى أي ومن أين له التذكرة والاتعاظ ، وقيل هو على حذف مضاف أي ومن أين له منفعة الذكرى ، قال الزجاج : يظهر التوبة ومن أين له التوبة . يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي بدل اشتمال من يتذكر أو مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل ماذا يقول الإنسان فقيل يقول الخ والمعنى أنه يتمنى أنه قدم الخير والعمل الصالح لأجل حياته . والمراد حياة الآخرة فإنها الحياة بالحقيقة ، لأنها دائمة غير منقطعة ، وقيل إن اللام بمعنى في ، والمراد حياة الدنيا أي يا ليتني قدمت الأعمال الصالحة في وقت حياتي في الدنيا أنتفع بها يوم القيامة ، والأول أولى ، قال حسن علم واللّه أنه صادف حياة طويلة لا موت فيها . فَيَوْمَئِذٍ أي يوم يكون زمان ما ذكر من الأحوال لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ أي لا يعذب كعذاب اللّه أحد ، ولا يوثق كوثاقه ولا يتولى عذاب اللّه ووثاقه أحد سواه إذ الأمر كله له ، والضميران في عذابه ووثاقه للّه عز وجل ، وهذا على قراءة الجمهور يعذب ويوثق مبنيين للفاعل ، وقرىء على البناء للمفعول فيهما فيكون الضميران راجعين إلى الإنسان أي لا يعذب كعذاب ذلك الإنسان أحد ولا يوثق كوثاقه أحد ، والمراد بالإنسان الكافر أي لا يعذب من ليس بكافر كعذاب الكافر ، وقيل إبليس وقيل المراد به أبيّ بن خلف . قال الفراء المعنى أنه لا يعذب كعذاب هذا الكافر المعين أحد ولا يوثق بالسلاسل والأغلال كوثاقه أحد ، لتناهيه في الكفر والعناد ، وقيل المعنى إنه لا يعذب مكانه أحد ولا يوثق مكانه أحد فلا تؤخذ منه فدية وهو كقوله : وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [ الأنعام : 164 ] والعذاب بمعنى التعذيب والوثاق بمعنى التوثيق . واختار أبو عبيد وأبو حاتم قراءة المبني للمفعول وقالا تكون الهاء في الموضعين ضميرا لكافر لأنه معروف أنه لا يعذاب كعذاب اللّه أحد ، وقال أبو علي الفارسي يجوز أن يكون الضمير للكافر على قراءة الجماعة أي لا يعذب أحد أحدا مثل تعذيب هذا الكافر . ولما فرغ سبحانه من حكاية أحوال الأشقياء ذكر بعض أحوال السعداء فقال : يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ والقائل هو اللّه سبحانه إكراما للمؤمن كما كلم موسى أو