صديق الحسيني القنوجي البخاري

450

فتح البيان في مقاصد القرآن

الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ أي قطعوه وقال ابن عباس : خرقوه والجوب القطع ومنه جاب البلاد إذا قطعها ، ومن سمي جيب القميص لأنه جيب أي قطع ، قال المفسرون أول من نحت الجبال والصخور ثمود فبنوا من المدائن ألفا وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة ، ومنه قوله سبحانه : وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ [ الشعراء : 149 ] وكانوا ينحتون الجبال وينقبونها ويجعلون تلك الأنقاب بيوتا يسكنون فيها . وقوله : بِالْوادِ متعلق بجابوا أو بمحذوف على أنه حال من الصخر وهو وادي القرى ، وهو موضع بقرب المدينة من جهة الشام ، وقيل الوادي بين جبال ، وكانوا ينقبون في تلك الجبال بيوتا ودورا وأحواضا وكل منفرج بين جبال أو تلال يكون مسلكا للسيل ومنفذا فهو واد ، وقرأ الجمهور بالواد بحذف الياء وصلا ووقفا اتباعا لرسم المصحف ، وقرأ ابن كثير بإثباتها فيهما وقرىء بإثباتها في الوصل دون الوقف . وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ أي ذي الجنود الذين لهم خيام كثيرة يشدونها بالأوتاد أو جعل الجنود والجيوش والجموع أنفسهم أوتادا لأنهم يشدون الملك كما تشد الأوتاد الخيام ، وقيل كان له أوتاد يعذب الناس بها ويشدهم إليها ، والوتد بكسر التاء في لغة الحجاز وهي الفصحى وجمعه أوتاد ، وفتح التاء لغة ، وأهل نجد يسكنون التاء قال ابن عباس الأوتاد الجنود الذين يشدون له أمره . وقال ابن مسعود : وتد فرعون لامرأته أربعة أوتادا ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت . [ سورة الفجر ( 89 ) : الآيات 11 إلى 21 ] الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ ( 11 ) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ ( 12 ) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ ( 13 ) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ ( 14 ) فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ( 15 ) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ ( 16 ) كَلاَّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ( 17 ) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ ( 18 ) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا ( 19 ) وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا ( 20 ) كَلاَّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ( 21 ) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ الموصول صفة لعاد وثمود وفرعون أي طغت كل طائفة منهم في بلادهم وتمردت وعتت ، والطغيان مجاوزة الحد ، ويجوز أن يكون الموصول في محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين طغوا أو في محل نصب على الذم . فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ بالكفر ومعاصي اللّه والجور على عباده فَصَبَّ أي أفرغ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ وألقى على تلك الطوائف سَوْطَ عَذابٍ وهو ما عذبهم به قال الزجاج جعل سوطه الذي ضربهم به العذاب ، يقال صب على فلان خلعة أي ألقاها