صديق الحسيني القنوجي البخاري
435
فتح البيان في مقاصد القرآن
الصفات المذكورة ، ووجوه مرتفع على الابتداء وإن كان نكرة لوقوعه في مقام التفصيل ، وقد تقدم مثل هذا في سورة القيامة وفي سورة النازعات . والتنوين في يومئذ عوض عن المضاف إليه أي يوم غشيان الغاشية ، والخاشعة الذليلة الخاضعة وكل متضائل ساكن يقال له خاشع ، يقال خشع الصوت إذا خفي ، وخشع في صلاته إذا تذلل ونكس رأسه ، والمراد بالوجوه هنا أصحابها قال المحلي عبر بها عن الذوات في الموضعين أي بالجزاء عن الكل ، وخص الوجه لأنه أشرف أعضاء الإنسان ولأن الذل يظهر عليه أولا دون غيره ، قال مقاتل يعني الكفار لأنهم تكبروا عن عبادة اللّه ، قال قتادة وابن زيد خاشعة في النار . وقيل أراد وجوه اليهود والنصارى على الخصوص ، والأول أولى ، وفي البحر : الآية نزلت في القسيسين وعباد الأوثان ، وفي كل مجتهد في كفر . عامِلَةٌ أي أنها تعمل عملا شاقا ، قال أهل اللغة يقال للرجل إذا دأب في سيره عمل يعمل عملا ، ويقال للسحاب إذا دام برقه قد عمل يعمل عملا ، قيل وهذا العمل هو جر السلاسل والأغلال والخوض في النار والصعود والهبوط في تلالها ووهادها . ناصِبَةٌ أي تعبة يقال نصب بالكسر ينصب نصبا إذا تعب ، والمعنى أنها في الآخرة تعبة لما تلاقيه من عذاب اللّه ، وقيل إن قوله : عامِلَةٌ في الدنيا إذ لا عمل في الآخرة أي تعمل في الدنيا بالكفر والمعاصي ، وتنصب في ذلك ، وقيل إنها عامِلَةٌ في الدنيا ناصِبَةٌ في الآخرة ، والأول أولى . قال قتادة عاملة ناصبة تكبرت في الدنيا عن طاعة اللّه فأعملها اللّه وأنصبها في النار بجر السلاسل الثقال ، وحمل الأغلال ، والوقوف حفاة عراة في العرصات فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [ المعارج : 4 ] . قال الحسن وسعيد بن جبير : لم تعمل للّه في الدنيا ولم تنصب فاعملها وانصبها في جهنم ، قال الكلبي : يجرون على وجوههم في جهنم ، وقال أيضا يكلفون ارتقاء جبل من حديد في جهنم فينصبون فيها أشد ما يكون من النصب بمعالجة السلاسل والأغلال والخوض في النار كما تخوض الإبل في الوحل . قال ابن عباس : عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تعمل وتنصب ، وعنه قال يعني اليهود والنصارى تخشع ولا ينفعها عملها ، قرأ الجمهور عامِلَةٌ ناصِبَةٌ بالرفع فيهما على أنهما خبران آخران للمبتدأ أو على تقدير مبتدأ وهما خبران له ، وقرىء بنصبهما على الحال أو على الذم . وقوله : تَصْلى ناراً حامِيَةً خبر آخر للمبتدأ أي تدخل نارا متناهية في الحر ، يقال حمى النار وحمى التنور أي اشتد حرهما ، قال الكسائي يقال اشتد حمى النهار