صديق الحسيني القنوجي البخاري
422
فتح البيان في مقاصد القرآن
تتصدع بالنبات ، قال مجاهد : والأرض ذات الطرق التي تصدعها المياه وقيل ذات الحرث لأنه يصدعها ، وقيل ذات الأموات لانصداعها عنهم عند البعث . والحاصل أن الصدع إن كان اسما للنبات فكأنه قال والأرض ذات النبات ، وإن كان المراد به الشق فكأنه قال والأرض ذات الشق الذي يخرج منه النبات ونحوه ، وقال ابن عباس صدعها عن النبات وعنه قال تصدع الأودية . وعن معاذ بن أنس مرفوعا قال : « تصدع بإذن اللّه عن الأموال والنبات » ، أخرجه ابن منده والديلمي . قال الرازي أنه تعالى كما جعل كيفية خلقه الحيوان دليلا على معرفة المبدأ والمعاد ، ذكر في هذا القسم كيفية خلقه النبات ، فقوله تعالى : وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ كالأب وقوله : وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ كالأم ، وكلاهما من النعم العظام لأن نعم الدنيا موقوفة على ما ينزل من السماء مكررا ، وعلى ما ينبت من الأرض كذلك . وجواب القسم الثاني قوله : إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ أي أن القرآن لقول يفصل بين الحق والباطل بالبيان عن كل واحد منهما كما قيل له فرقان ، ومنه فصل الخصومات وهو قطعها بالحكم الجازم ، ويقال هذا قول فصل أي قاطع للشر والنزاع ، وقال ابن عباس فصل حق . وَما هُوَ بِالْهَزْلِ أي لم ينزل القرآن الكريم باللعب فهو جد كلمة ليس بالهزل ، والهزل ضد الجد ، فيجب أن يكون مهيبا في الصدور ، ومعظما في القلوب ، يترفع به قارئه وسامعه عن أن يلم بهزل أو يتفكه بمزاح ، وقال ابن عباس بالهزل بالباطل . إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً أي يمكرون في إبطال ما جاء به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الدين الحق ، قال الزجاج يخاتلون النبي صلى اللّه عليه وسلم ويظهرون ما هم على خلافه ، وذلك حين اجتمعوا في دار الندوة وتشاوروا فيه وقيل الكيد القاء الشبهات كقولهم : إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا [ الأنعام : 29 ] مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [ يس : 78 ] أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً [ ص : 5 ] وما أشبه ذلك . وَأَكِيدُ كَيْداً أي استدرجهم من حيث لا يعلمون وأجازيهم جزاء كيدهم ، قيل هو ما أوقع اللّه بهم يوم بدر من القتل والأسر ، وقيل كيد اللّه لهم نصرة نبيه صلى اللّه عليه وسلم وإعلاء درجته ، تسمية لإحدى المتقابلين بالاسم الآخر كقوله : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [ الشورى : 40 ] . فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أي أخرهم ولا تسأل اللّه سبحانه تعجيل هلاكهم والدعاء عليهم باهلاكهم فإنّا لا نعجل لأن العجلة وهي إيقاع الشيء في غير وقته اللائق به