صديق الحسيني القنوجي البخاري
394
فتح البيان في مقاصد القرآن
[ سورة المطففين ( 83 ) : الآيات 30 إلى 36 ] وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ ( 30 ) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ ( 31 ) وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ ( 32 ) وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ ( 33 ) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ( 34 ) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ ( 35 ) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ( 36 ) وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ أي وإذا مر المؤمنون بالكفار وهم في مجالسهم يَتَغامَزُونَ من الغمز وهو الإشارة بالجفون والحواجب أي يغمز بعضهم بعضا ويشيرون بأعينهم وحواجبهم طعنا فيهم وعيبا لهم ، وقيل يعيرونهم بالإسلام ويعيبونهم به . وَإِذَا انْقَلَبُوا أي إذا انقلب الكفار من مجالسهم إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ أي معجبين بما هم فيه متلذذين به يتفكهون بذكر المؤمنين والطعن فيهم والاستهزاء بهم والسخرية منهم ، والانقلاب الانصراف . قرأ الجمهور فاكهين وقرىء فَكِهِينَ بغير ألف ، قال الفراء هما لغتان مثل طمع وطامع وحذر وحاذر ، وقد تقدم بيانه في سورة الدخان أن الفكه الأشر البطر والفاكه الناعم المتنعم . وَإِذا رَأَوْهُمْ أي إذا رأى الكفار المسلمين في أي مكان قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ في اتباعهم محمدا صلى اللّه عليه وسلم وتمسكهم بما جاء به ، وتركهم التنعم الحاضر يعني خدع محمد هؤلاء فضلوا وتركوا اللذات لما يرجونه في الآخرة من الكرامات فقد تركوا الحقيقة بالخيال ، وهذا هو عين الضلال أو المعنى وإذا رأى المسلمون الكافرين قالوا هذا القول ، والأول أولى . وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ أي والحال أنهم لم يرسلوا على المسلمين من جهة اللّه موكلين بهم يحفظون عليهم أحوالهم وأعمالهم ، ويشهدون برشدهم وضلالهم ، بل أمروا بإصلاح أنفسهم ، فاشتغالهم بذلك أولى بهم من تتبع عورات غيرهم وتسفيه أحلامهم ، وهذا تهكم بهم وإشعار بان ما اجترؤوا عليه من القول من وظائف الرسل من جهته تعالى . ويجوز أن يكون ذلك من جملة قول المؤمنين كأنهم قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ إنكارا لصدهم عن الشرك ودعائهم إلى الإسلام ، قاله أبو السعود والأول أولى وأظهر . فَالْيَوْمَ أي يوم الآخر الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ يعني أن المؤمنين في ذلك اليوم يضحكون من الكفار حين يرونهم أذلاء مغلوبين قد نزل بهم ما نزل من العذاب كما ضحك الكفار منهم في الدنيا . عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ أي يضحكون منهم ناظرين إليهم وإلى ما هم فيه من