صديق الحسيني القنوجي البخاري

374

فتح البيان في مقاصد القرآن

ومعنى قوله : مُطاعٍ أنه مطاع بين الملائكة يرجعون إليه ويطيعونه ومن طاعتهم له أنهم فتحوا أبواب السماوات ليلة المعراج بقوله لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وفتح خزنة الجنة أبوابها بقوله . قال الحسن فرض اللّه على أهل السماوات طاعة جبريل كما فرض على أهل الأرض طاعة محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم ثَمَّ أَمِينٍ قرأ الجمهور بفتح ثم على أنها ظرف مكان للبعيد ، والعامل فيه مطاع أو ما بعد ، والمعنى أنه مطاع في السماوات أو أمين فيها أي مؤتمن على الوحي وغيره . وقرىء بضمها على أنها عاطفة وكأن العطف بها للتراخي في الرتبة لأن ما بعدها أعظم مما قبلها ومن قال إن المراد بالرسول محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم فالمعنى أنه ذو قوة على تبليغ الرسالة إلى الأمة ، مطاع يطيعه من أطاع اللّه ، أمين على الوحي . وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ الخطاب لأهل مكة والمراد بصاحبكم رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ، والمعنى وما محمد يا أهل مكة بمجنون ، وذكره بوصف الصحبة للأشعار بأنهم عالمون بأمره ، وأنه ليس مما يرمونه به من الجنون وغيره في شيء ، وأنهم افتروا عليه ذلك عن علم منهم بأنه أعقل الناس وأكملهم . وهذه الجملة داخلة في جواب القسم فأقسم سبحانه بأن القرآن نزل به جبريل وأن محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم ليس كما يقولون من أنه مجنون ، وأنه يأتي بالقرآن من جهة نفسه . والمقصود رد قولهم إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ [ سبأ : 8 ] لا تعداد فضلهما والموازنة بينهما . ثم إنك إذا أمعنت النظر وقفت على أن إجراء تلك الصفات على جبريل في هذا المقام إدماج لتعظيم رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ، وأنه بلغ من المكانة وعلو المنزلة عند ذي العرش بأن جعل السفير بينه وبينه مثل هذا الملك المقرب المطاع الأمين ، فالقول في هذه الصفات بالنسبة إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رفعة منزلة له كالقول في قوله ذي العرش بالنسبة إلى رفعة منزلة جبريل عليه السلام ، كذا ذكره الكرخي . وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ اللام جواب قسم محذوف أي وتاللّه لقد رأى محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم جبريل بمطلع الشمس من قبل المشرق ، لأن هذه الأفق إذا كانت الشمس تطلع منه فهو مبين ، لأن من جهته ترى الأشياء وهذه الرؤية هي الواقعة