صديق الحسيني القنوجي البخاري
37
فتح البيان في مقاصد القرآن
ورفاعة بن تابوت وعبد اللّه بن نبتل وأوس بن قيظي وإخوانهم بنو النضير ، والخطاب لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أو لكل من يصلح له يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ اللام لام التبليغ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مستأنفة لبيان المتعجب منه ، والتعبير بالمضارع لاستحضار الصورة ، أو للدلالة على الاستمرار ، وجعلهم إخوانا لهم لكون الكفر قد جمعهم ، وإن اختلف نوع كفرهم فهم إخوان في الكفر ، وقيل : هو من قول بني النضير لبني قريظة ، والأول أولى لأن بني النضير وبني قريظة هم يهود ، والمنافقون غيرهم . لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ اللام هي الموطئة للقسم ، وتسمى المؤذنة أيضا ، أي واللّه لئن أخرجتم من دياركم لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ من ديارنا في صحبتكم وهذا جواب القسم وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أي في شأنكم ومن أجلكم أَحَداً ممن يريد أن يمنعنا من الخروج معكم وإن طال الزمان ، وهو معنى قوله : أَبَداً وهو ظرف للنفي لا للمنفي ، ثم لما وعدوهم بالخروج معهم وعدوهم بالنصرة لهم ، فقالوا : وَإِنْ قُوتِلْتُمْ حذف منه اللام الموطئة ، وهو قليل في كلام العرب ، والكثير إثباتها لَنَنْصُرَنَّكُمْ على عدوكم ثم كذبهم اللّه سبحانه فقال : وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ فيما وعدهم به من الخروج معهم ، والنصر لهم ، وفيه دليل على صحة النبوة ، ولأنه إخبار بالغيب ، ووقع كما أخبر وهذا مبني على تقدم نزول الآية على الواقعة ، وعليه يدل النظم ، فإن كلمة إن للاستقبال وإعجاز القرآن من حيث الإخبار عن الغيب ، عن ابن عباس قال : إن رهطا من بني عوف بن الحرث منهم عبد اللّه بن أبيّ ابن سلول ، ووديعة بن مالك ، وسويد ، وداعس ، بعثوا إلى بني النضير أن اثبتوا وتمنعوا فإننا لا نسلمكم ، وإن قوتلتم قاتلنا معكم ، وإن أخرجتم خرجنا معكم ، فتربصوا ذلك من نصرهم فلم يفعلوا ، وقذف اللّه في قلوبهم الرعب ، فسألوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يجليهم ويكف عن دمائهم على أن لهم ما حملت الإبل إلى الحلقة ففعل فكان الرجل منهم يهدم بيته فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به فخرجوا إلى خيبر ، ومنهم من سار إلى الشام . ثم لما أجمل سبحانه كذبهم فيما وعدوا به ، فصل ما كذبوا فيه فقال : لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ هذا تكذيب للمقالة الأولى وقوله : وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ تكذيب للمقالة الثالثة ، وأما الثانية فلم يذكر لها تكذيب في التفصيل ، وقد كان الأمر كذلك ، فإن المنافقين لم يخرجوا مع من أخرج من اليهود ، وهم بنو النضير ، ومن معهم ، ولم ينصروا من قوتل من اليهود وهم بنو قريظة وأهل خيبر وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ أي جاؤوا لنصرهم قاله المحلي أو لو قدر وجود نصرهم إياهم ، لأن ما نفاه اللّه لا يجوز وجوده ، قال الزجاج : معناه لو قصدوا نصر اليهود