صديق الحسيني القنوجي البخاري

339

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَ معنى النَّاشِطاتِ نَشْطاً أنها تنشط النفوس أن تخرجها من الأجساد كما ينشط العقال من يد البعير إذا حل عنه حلا رفيقا ، ونشط الرجل الدلو في البئر إذا أخرجها ، والنشاط الجذب بسرعة ، ومنه الأنشوطة للعقدة التي يسهل حلها . قال أبو زيد نشطت الحبل أنشطه نشطا عقدته ، وأنشطته أي حللته وأنشطت الحبل أي مددته ، قال الفراء أنشط العقال أي حل ونشط أي ربط الحبل في يديه ، قال الأصمعي بئرا نشاط أي قريبة القعر يخرج الدلو منها بجذبة واحدة ، وبئر نشوط وهي التي لا يخرج منها الدلو حتى ينشط كثيرا ، وقال مجاهد هو الموت ينشط نفس الإنسان ، وبه قال ابن عباس ، وقال السدي : هي النفوس حين تنشط من القدمين ، وقال عكرمة وعطاء : هي الأوهاق التي تنشط السهام ، وقال قتادة والحسن والأخفش هي النجوم تنشط من أفق إلى أفق أي تذهب . قال في الصحاح والناشطات نشطا يعني النجوم من برج إلى برج كالثور الناشط من بلد إلى بلد والهموم تنشط بصاحبها ، وقال أبو عبيدة وقتادة هي الوحوش حين تنشط من بلد إلى بلد ، وقيل الناشطات لأرواح المؤمنين والنازعات لأرواح الكافرين لأنها تجذب روح المؤمن برفق ، وتجذب روح الكافر بعنف . وقوله نشطا مصدر وكذا سبحا وسبقا ، قال علي : هي الملائكة تنشط أرواح الكفار ما بين الأظفار والجلد حتى تخرجها ، وعن معاذ بن جبل قال : قال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « لا تمزق الناس فتمزقك كلاب النار ، قال اللّه والناشطات نشطا أتدري ما هو ؟ قلت يا نبي اللّه ما هو ؟ قال : كلاب في النار تنشط اللحم والعظم » أخرجه ابن مردويه . وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً هي الملائكة تسبح في الأبدان لإخراج الأرواح كما يسبح الغواص في البحر لإخراج شيء منه ، يعني الملائكة يقبضون أرواح المؤمنين يسلونها سلا رفيقا ثم يدعونها حتى تستريح ثم يستخرجونها كالسابح في الماء يتحرك فيه برفق ولطافة . وقال مجاهد وأبو صالح : هي الملائكة ينزلون من السماء مسرعين لأمر اللّه كما يقال للفرس الجواد سابح إذا أسرع في جريه ، وقال مجاهد : أيضا السابحات الموت يسبح في نفوس بني آدم ، وقيل هي الخيل السابحة في الغزو ، وقال قتادة والحسن هي النجوم تسبح في أفلاكها كما في قوله : وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [ يس : 40 ] وقال عطاء هي السفن تسبح في الماء . وقيل هي أرواح المؤمنين تسبح شوقا إلى اللّه ، وقال علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه هي الملائكة تسبح بأرواح المؤمنين بين السماء والأرض . فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً هم الملائكة على قول الجمهور كما سلف ، قال مسروق ومجاهد : تسبق الملائكة الشياطين بالوحي إلى الأنبياء ، وقال أبو روق هي الملائكة