صديق الحسيني القنوجي البخاري

336

فتح البيان في مقاصد القرآن

قال : « إن جبريل يوم القيامة لقائم بين يدي الجبار ترعد فرائصه فرقا من عذاب اللّه يقول سبحانك لا إله إلا أنت ما عبدناك حق عبادتك ما بين منكبيه كما بين المشرق والمغرب ، أما سمعت قول اللّه : يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا » أخرجه أبو الشيخ ، وعنه قال يقول : « حين تقوم أرواح الناس مع الملائكة فيما بين النفختين قبل أن ترد الروح إلى الأجساد » ، أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات . لا يَتَكَلَّمُونَ أي الخلائق ثم خوفا وإجلالا لعظمة اللّه جل جلاله من هول ذلك اليوم ولا يشفعون لأحد إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ بالشفاعة أو لا يتكلمون إلا في حق من أذن له الرحمن . وَ كان ذلك الشخص ممن قالَ صَواباً قال الضحاك ومجاهد : صوابا يعني حقا وقال أبو صالح : لا إله إلا اللّه ، وبه قال ابن عباس ، وأصل الصواب السداد من القول والفعل ، قيل لا يتكلمون يعني الملائكة والروح الذين قاموا صفا هيبة وإجلالا إلا من أذن له الرحمن منهم في الشفاعة ، وهم قد قالوا صوابا ، قال الحسن : إن الروح يقول يوم القيامة لا يدخل أحد الجنة إلا بالروح ، ولا النار إلا بالعمل . قال الواحدي : فهم لا يتكلمون يعني الخلق كلهم إلا من أذن له الرحمن وهم المؤمنون والملائكة ، وقال في الدنيا صوابا أي شهد بالتوحيد . قال البيضاوي : قوله لا يَتَكَلَّمُونَ الخ تقرير وتأكيد لقوله : لا يَمْلِكُونَ [ الرعد : 16 ] فإن هؤلاء الذين هم أفضل الخلائق وأقربهم من اللّه إذ لم يقدروا أن يتكلموا بما يكون صوابا كالشفاعة لمن ارتضى إلا بإذنه فكيف يملكه غيرهم . والإشارة بقوله : ذلِكَ إلى يوم قيامهم على تلك الصفة وهو مبتدأ وخبره الْيَوْمُ الْحَقُّ أي الكائن الواقع المتحقق الثابت وقوعه فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً أي مرجعا يرجع إليه بالعمل الصالح لأنه إذا عمل خيرا قربه إلى اللّه ، وإذا عمل شرا باعده منه ، قال قتادة مآبا سبيلا . قال أبو السعود : الفاء فصيحة تفصح عن شرط محذوف ومفعول المشيئة محذوف ، وقوله : إِلى رَبِّهِ أي إلى ثوابه ، وهو متعلق بمآبا كأنه قيل وإذا كان الأمر كما ذكر من تحقق اليوم المذكور لا محالة فمن شاء أن يتخذ مرجعا إلى ثواب ربه الذي ذكر شأنه العظيم فعل ذلك بالإيمان والطاعة ، وتعلق الجار به لما فيه من معنى الافضاء والإيصال انتهى . ثم زاد سبحانه في تخويف الكفار فقال : إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ يا كفار مكة عَذاباً قَرِيباً يعني العذاب في الآخرة وكل ما هو آت فهو قريب ، ومثله قوله : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ