صديق الحسيني القنوجي البخاري
33
فتح البيان في مقاصد القرآن
يعرف لهم حقهم ، ويحفظ لهم حرمتهم ، وأوصيه بالأنصار الذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم ، أن يقبل من محسنهم ، ويتجاوز عن مسيئهم » « 1 » . يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وذلك أنهم أحسنوا إلى المهاجرين ، وأشركوهم في أموالهم ومساكنهم وَلا يَجِدُونَ أي لا يجد الأنصار فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً أي حسدا وغيظا وحزازة فالمراد بالحاجة هذه المعاني ، وإطلاق لفظ الحاجة عليها من إطلاق الملزوم على اللازم على سبيل الكناية ، لأن هذه المعاني لا تنفك عن الحاجة غالبا ، وفي الكلام مضاف محذوف ، أي لا يجدون في صدورهم من حاجة أو أثر حاجة ، وكل ما يجده الإنسان في صدره مما يحتاج إليه فهو حاجة . مِمَّا أُوتُوا أي مما أوتي المهاجرون دونهم من الفيء بل طابت أنفسهم بذلك ، وكان المهاجرون في دور الأنصار ، فلما غنم النبي صلى اللّه عليه وسلم بني النضير دعا الأنصار وشكرهم فيما صنعوا مع المهاجرين ، من إنزالهم إياهم في منازلهم ، وإشراكهم في أموالهم ، ثم قال : إن أحببتم قسمت ما أفاء اللّه عليّ من بني النضير بينكم وبين المهاجرين ، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في مساكنكم ، والمشاركة لكم في أموالكم ، وإن أحببتهم أعطيتهم ذلك ، وخرجوا من دياركم ، فرضوا بقسمة ذلك في المهاجرين ، وطابت أنفسهم . وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ أي في كل شيء من أسباب المعاش ، والإيثار تقديم الغير على النفس في حظوظ الدنيا ، رغبة في حظوظ الآخرة ، وذلك ينشأ عن قوة اليقين ، ووكيد المحبة ، والصبر على المشقة ، يقال : آثرته بكذا أي خصصته به وفضلته ، والمعنى ويقدمون المهاجرين على أنفسهم في حظوظ الدنيا وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ أي حاجة وفقر ، والخصاصة مأخوذة من خصاص البيت وهي الفروج التي تكون فيه وقيل : مأخوذة من الاختصاص وهو الانفراد بالأمر ، فالخصاصة الانفراد بالحاجة . أخرج البخاري ومسلم وغيرهما : عن أبي هريرة قال : « أتى رجل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه ، أصابني الجهد ، فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئا فقال : ألا رجل يضيف هذا الليلة رحمه اللّه ؟ فقال رجل من الأنصار ، وفي رواية : فقال أبو طلحة الأنصاري : أنا يا رسول اللّه ، فذهب به إلى أهله فقال لامرأته أكرمي ضيف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا تدخريه شيئا ، قالت : واللّه ما عندي إلا قوت الصبية ، قال : فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم ، وتعالي فأطفئي السراج ونطوي بطوننا الليل لضيف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ففعلت ، ثم غدا الضيف على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : لقد عجب اللّه من فلان وفلانة وأنزل اللّه فيها « هذه الآية » « 2 » .
--> ( 1 ) أخرجه في مناقب الأنصار باب 11 . ( 2 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 59 ، باب 6 ، ومناقب الأنصار باب 10 ، ومسلم في الأشربة حديث 172 .