صديق الحسيني القنوجي البخاري
327
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً يريد سبع سماوات قوية الخلق محكمة البناء لا يؤثر فيها مرور الزمان ، ولهذا وصفها بالشدة وغلظ كل واحدة منها مسيرة خمسمائة عام كما ورد ذلك . وَجَعَلْنا سِراجاً منيرا وَهَّاجاً وقادا يعني الشمس ، والوهاج المضيء المتلألىء من قولهم وهج الجوهر أي تلأتلأ ، ويقال وهج يوهج كوجل يوجل وكوعد يعد ، قال الزجاج : الوهاج الوقاد ، وهو الذي وهج يقال وهجت النار تهج وهجا ووهجانا ، قال مقاتل : جعل فيه نورا وحرا ، والوهج يجمع النور والحرارة ، وقال ابن عباس : وهاجا مضيئا . وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً المعصرات هي السحاب التي تنعصر بالماء ولم تمطر بعد كالمرأة المعتصرة التي قد دنا حيضها ، كذا قال سفيان والربيع وأبو العالية والضحاك ، وقال مجاهد ومقاتل وقتادة والكلبي هي الرياح ، والرياح تسمى معصرات يقال أعصرت الريح تعصر إعصارا إذا أثارت العجاج ، قال الأزهري هي الرياح ذوات الأعاصير ، وذلك أن الرياح تستدر المطر ، وقال الفراء المعصرات السحاب التي يتحلب منها المطر . قال النحاس : وهذه الأقوال صحاح يقال للريح التي تأتي بالمطر معصرات ، والرياح تلقح السحاب فيكون المطر ، ويجوز أن تكون هذه الأقوال قولا واحدا ويكون المعنى وأنزلنا من ذوات المعصرات . قال في الصحاح والمعصرات السحاب تعتصر بالمطر ، وعصر القوم أي مطروا ، قال المبرد يقال سحاب معصر أي ممسك للماء ويعتصر منه شيء بعد شيء . وقال أبيّ بن كعب والحسن وابن جبير وزيد بن أسلم ومقاتل بن حيان : المعصرات السماوات وقال ابن عباس : السحاب ، وقال ابن مسعود : يبعث اللّه الريح فتحمل الماء فتمر به السحاب فتدر كما تدر اللقحة . وقرأ ابن عباس ( وأنزلنا من المعصرات بالرياح ) وفي المعصرات المغيثات والعاصر هو الغيث . والثجاج هو المنصب بكثرة على وجه التتابع ، يقال ثج الماء أي سال بكثرة وثجه أي أساله فيكون لازما ومتعديا ، وبابه رد ، ومطر ثجاج أي منصب جدا ، والثج أيضا سيلان دماء الهدي ، وفي الحديث « أحب العمل إلى اللّه العج والثج » « 1 » فالعج رفع الصوت بالتلبية ، والثج إراقة دماء الهدي .
--> ( 1 ) روي الحديث بلفظ : « سئل أي الحج أفضل » قال : العجّ والثجّ » ، أخرجه الترمذي في الحج باب 14 ، وتفسير سورة 3 ، باب 6 ، وابن ماجة في المناسك باب 6 ، 16 ، والدارمي في المناسك باب 8 .