صديق الحسيني القنوجي البخاري
321
فتح البيان في مقاصد القرآن
والمراد بالعيون الأنهار أي نابعة من ماء وعسل ولبن وخمر كما قال تعالى : فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ [ محمد : 15 ] الخ . وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ المراد بالفواكه ما يتفكه به مما تطلبه أنفسهم وتستدعيه شهواتهم فمتى اشتهوا فاكهة وجدوها حاضرة فليست فاكهة الجنة مقيدة بوقت دون وقت كما في أنواع فاكهة الدنيا . كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي يقال لهم ذلك ، والقائل لهم الملائكة إكراما لهم ، أو يقال لهم من قبل اللّه ، فالجملة مقدرة بالقول والباء للسببية أي بسبب ما كنتم تعملونه في الدنيا من الأعمال الصالحة . إِنَّا كَذلِكَ أي مثل ذلك الجزاء العظيم نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ في أعمالهم وعقائدهم وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ حيث صاروا في شقاء عظيم وصار المؤمنون في نعيم مقيم . كُلُوا وَتَمَتَّعُوا خطاب للكفار أي الويل ثابت لهم في حال ما يقال لهم ذلك تذكيرا لهم بحالهم في الدنيا أو يقال لهم هذا في الدنيا ، وإنما قال قَلِيلًا لأن متاع الدنيا وزمانه قليل لأنه زائل مع قصر مدته في مقابلة مدة الآخرة ، وذلك إلى منتهى آجالهم . قال بعض العلماء التمتع بالدنيا من أفعال الكافرين ، والسعي لها من أفعال الظالمين والاطمئنان إليها من أفعال الكاذبين ، والسكون فيها على حد الاذن والأخذ منها على قدر الحاجة من أفعال عوام المؤمنين ، والاعراض عنها من أفعال الزاهدين ، وأهل الحقيقة أجل خطرا من أن يؤثر فيهم حب الدنيا وبغضها وجمعها وتركها . إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ أي المشركون باللّه ، وهذا وإن كان في اللفظ أمر فهو في المعنى تهديد وزجر عظيم وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ حيث عرضوا أنفسهم للعذاب الدائم بالتمتع القليل . وَإِذا قِيلَ لَهُمُ أي لهؤلاء المجرمين من أي قائل كان ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ أي وإذا أمروا بالصلاة لا يصلون ، قال مقاتل : « نزلت في ثقيف امتنعوا من الصلاة بعد أن أمرهم النبي صلى اللّه عليه وسلم بها فقالوا لا ننحني فإنها سبة علينا فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود » « 1 » وقيل إنما يقال لهم ذلك في الآخرة حين يدعون إلى السجود فلا يستطيعون من أجل أنهم لم يكونوا يسجدون في الدنيا للّه سبحانه » ، قاله ابن عباس . وفي هذه الآية دليل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة ، وسميت
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في الإمارة باب 26 ، وأحمد في المسند 4 / 218 .