صديق الحسيني القنوجي البخاري

319

فتح البيان في مقاصد القرآن

أن النار خلقت من النور فهي مضيئة ، فلما خلق اللّه جهنم هي موضع النار حشى ذلك الموضع بتلك النار وبعث إليها سلطانه وغضبه فاسودت من سلطانه وازدادت سوادا وصارت أشد سوادا من كل شيء فيكون شررها أسود لأنه من نار سوداء . قلت هذا الجواب البارد لا يدفع ما قاله القائل لأن كلامه باعتبار ما وقع في الكتاب العزيز هنا من وصفها بكونها صفرا ، فلو كان الأمر كما ذكره المجيب من اسوداد النار واسوداد شررها لقال اللّه تعالى كأنها جمالات سود ، ولكن إذا كانت العرب تسمي الأسود أصفر لم يبقى إشكال لأن القرآن نزل بلغتهم ، وقد نقل الثقات عنهم ذلك ويدل عليه الحديث في صفة جهنم وفي آخره « فهي سوداء مظلمة » « 1 » فكان ما في القرآن هنا واردا على هذا الاستعمال العربي وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ لرسل اللّه وآياته . [ سورة المرسلات ( 77 ) : الآيات 35 إلى 50 ] هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ ( 35 ) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ( 36 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 37 ) هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ ( 38 ) فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ ( 39 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 40 ) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ ( 41 ) وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ ( 42 ) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 43 ) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 44 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 45 ) كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ ( 46 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 47 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ ( 48 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 49 ) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ( 50 ) هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ أي لا يتكلمون ، قرأ الجمهور برفع يوم على أنه خبر لاسم الإشارة ، وقرأ زيد بن علي والأعرج والأعمش وغيرهم بالفتح على البناء لإضافته إلى الفعل ومحله الرفع على الخبرية ، وقيل هو منصوب على الظرفية . قال الواحدي قال المفسرون : في يوم القيامة مواقف ففي بعضها يتكلمون وفي بعضها يختم على أفواههم فلا يتكلمون ، وقد قدمنا الجمع بهذا في غير موضع ، وقيل إن هذا إشارة إلى وقت دخولهم النار وهم عند ذلك لا ينطقون لأن مواقف السؤال والحساب قد انقضت ، وقال الحسن لا ينطقون بحجة وإن كانوا ينطقون ، والإشارة بهذا إلى ما تقدم من الوعيد كأنه قيل هذا العقاب المذكور كائن يوم لا ينطقون . وعن عكرمة قال : « سأل نافع بن الأزرق : ابن عباس عن قوله : هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ و فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً [ طه : 108 ] و أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ [ الصافات : 27 ] ، و هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ [ الحاقة : 19 ] فقال له ويحك هل سألت عن هذا أحدا قبلي ؟ قال لا قال أما إنك لو كنت سألت هلكت . أليس قال

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في جهنم باب 8 .