صديق الحسيني القنوجي البخاري
316
فتح البيان في مقاصد القرآن
أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ أي ضعيف حقير قذر منتن ذليل وهو النطفة ، قال ابن عباس مهين ضعيف ، هذا نوع آخر من تخويف الكفار . ونظيره قوله سبحانه : ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ [ السجدة : 8 ] . فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ أي مكان حريز وهو الرحم يحفظ فيه المني من الآفات المفسدة له كالهواء إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ أي إلى مقدار قدره اللّه تعالى للولادة وهو مدة الحمل وهو تسعة أشهر أو ما فوقها أو ما دونها ، وقيل إلى أن يصور . فَقَدَرْنا قرأ الجمهور بالتخفيف من القدرة ويدل عليه فَنِعْمَ الْقادِرُونَ وقرىء بالتشديد من التقدير ، وهو موافق لقوله : مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ [ عبس : 19 ] قال الكسائي والفراء وهما لغتان بمعنى قدرت كذا وقدرته فَنِعْمَ الْقادِرُونَ أي نعم المقدرون نحن ، قيل المعنى قدرناه قصيرا أو طويلا ، وقيل قدرنا أي ملكنا . وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ بقدرتنا على ذلك أو على الإعادة وبنعمة الفطرة . ثم بين لهم بديع صنعه وعظيم قدرته ليعتبروا فقال : [ سورة المرسلات ( 77 ) : الآيات 25 إلى 34 ] أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً ( 25 ) أَحْياءً وَأَمْواتاً ( 26 ) وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً ( 27 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 28 ) انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ( 29 ) انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ ( 30 ) لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ ( 31 ) إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ ( 32 ) كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ ( 33 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 34 ) أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً معنى الكفت في اللغة الضم والجمع ، ويقال كفت الشيء إذا ضمه وجمعه ، ومن هذا يقال للجراب والقدر كفت ، والكفات بالكسر الموضع الذي يكفت فيه شيء أي يضم ، ذكره المختار والقاموس ، وقال المحلي : مصدر كفت وفيه نظر لأن كفت من باب ضرب ، فالحق أنه اسم مكان وقيل جمع كافت كصيام وقيام ، وقيل مصدر كالكتاب والحساب . وقال الأخفش : كفاتا جمع كافتة والأرض يراد بها الجمع فنعتت بالجمع . وقال الخليل : التكفت تقليب الشيء ظهرا لبطن أو بطنا لظهر ، ويقال انكفت القوم إلى منازلهم أي ذهبوا . والمعنى ألم نجعل الأرض ضامة للأحياء على ظهرها ، والأموات في بطنها ، تضمهم وتجمعهم قال الفراء يريد تكفتهم أحياء على ظهرها في دورهم ومنازلهم ، وتكفتهم أمواتا في بطنها أي تحوزهم ، وهو معنى قوله : أَحْياءً وَأَمْواتاً والتنكير فيهما للتفخيم أي تكفت أحياء لا يعدون وأمواتا لا يحصرون ، وقال أبو عبيدة :