صديق الحسيني القنوجي البخاري
30
فتح البيان في مقاصد القرآن
لشيء يتداوله القوم بينهم ، يكون لهذا مرة ، ولهذا مرة ، قال مقاتل : المعنى أنه يغلب الأغنياء الفقراء فيقسمونه بينهم ، قرأ الجمهور يكون بالتحتية ، و دُولَةً بالنصب ، وقرىء بالفوقية ودولة بالرفع ، أي كيلا تقع أو توجد دولة ، وكان تامة ، وقرأ الجمهور دولة بضم الدال ، وقرىء بفتحها ، قال عيسى بن عمر ، ويونس ، والأصمعي : هما لغتان بمعنى واحد ، وقال أبو عمرو بن العلاء : الدولة بالفتح الذي يتداول من الأموال ، وبالضم الفعل وكذا قال أبو عبيدة وجمع المفتوح دول مثل قطعة وقصع ، وجمع المضموم دول مثل غرفة وغرف ، وقيل : بالضم في المال ، وبالفتح في الحرب ، ودالت الأيام تدول مثل دارت الأيام تدور وزنا ومعنى ، وقيل : بالفتح من الملك بضم الميم ، وبالضم من الملك بكسر الميم ، قال عمر بن الخطاب ما على وجه الأرض مسلم إلا وله حق في هذا الفيء ، إلا ما ملكت أيمانكم . ثم لما بين سبحانه مصارف هذا المال أمرهم بالاقتداء برسوله صلى اللّه عليه وسلم فقال : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ أي ما أعطاكم من مال الغنيمة والفيء فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ أي عن أخذه فَانْتَهُوا عنه ولا تأخذوه ، قال الحسن والسدي : ما أعطاكم من مال الفيء فاقبلوه ، وما منعكم منه فلا تطلبوه ، وقال ابن جريج : ما أعطاكم من طاعتي فافعلوه ، وما نهاكم من معصيتي فاجتنبوه والحق أن هذه الآية عامة في كل شيء يأتي به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، من أمر أو نهي ، أو قول أو فعل ، وإن كان السبب خاصا فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، وكل شيء أتانا به من الشرع فقد أعطانا إياه وأوصله إلينا ، وما أنفع هذه الآية وأكثر فائدتها ، قال الماوردي : إنه محمول على العموم في جميع أوامره ونواهيه ، لا يأمر إلا بإصلاح ، ولا ينهى إلا عن فساد قال المهدوي : هذا يوجب أن كل ما أمر به النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أمر من اللّه تعالى ، وإن كانت الآية خاصة بالغنائم : فجميع أوامره ونواهيه داخلة فيها ، ذكره القرطبي . أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن « ابن مسعود قال : لعن اللّه الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات لخلق اللّه ، فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب فجاءت إليه فقالت : بلغني أنك لعنت كيت وكيت ، قال : وما لي لا ألعن من لعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهو في كتاب اللّه قالت : لقد قرأت ما بين الدفتين فما وجدت فيه شيئا من هذا ، قال : لئن كنت قرأته لقد وجدته ، أما قرأت : ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ؟ قالت : بلى ، قال : فإنه قد نهى عنه » « 1 » . ثم لما أمرهم
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 59 ، باب 4 ، واللباس باب 84 ، 86 ، ومسلم في اللباس حديث 120 ، وأبو داود في الترجل باب 5 ، وابن ماجة في النكاح باب 52 ، والدارمي في الاستئذان باب 19 ، وأحمد في المسند 1 / 434 ، 443 .