صديق الحسيني القنوجي البخاري
285
فتح البيان في مقاصد القرآن
حديثه بلفظ « وإن أفضلهم منزلة لينظر في وجه اللّه كل يوم مرتين » « 1 » . وأخرج النسائي والدارقطني وصححه وأبو نعيم عن أبي هريرة قال : « قلنا يا رسول اللّه هل نرى ربنا قال هل ترون الشمس في يوم لا غيم فيه ، وترون القمر في ليلة لا غيم فيها قلنا نعم ، قال فإنكم سترون ربكم عز وجل حتى أن أحدكم ليحاور ربه محاورة فيقول عبدي هل تعرف ذنب كذا وكذا فيقول : ألم تغفر لي ؟ فيقول بمغفرتي صرت إلى هذا » . وقد تظافرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة ومن بعدهم من سلف الأمة على إثبات رؤية اللّه تعالى ، وقد رواها نحو من عشرين صحابيا عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وآيات القرآن فيها مشهورة ، ولا عتراضات المبتدعة من المعتزلة والخوارج وبعض المرجئة عليها أجوبة معروفة في كتب الكلام من أهل السنة ، وكذلك باقي شبههم وأجوبتها مستفاضة في كتب أهل الحق ، وليس هذا موضع ذكرها ، وقد قدمنا أن أحاديث الرؤية متواترة فلا نطيل بذكرها وهي تأتي في مصنف مستقل ، ولم يتمسك من نفاها واستبعدها بشيء يصلح للتمسك به لا من كتاب اللّه ولا من سنة رسوله . وقد أطال الحافظ المتكلم محمد بن أبي بكر القيم الجوزي رحمه اللّه تعالى في إثبات رؤيته تعالى يوم القيامة في كتابه « حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح » ومن أحب النظر في أدلة الفريقين فعليه برسالة الشوكاني المسماة بالبغية في مسألة الرؤية جمع فيها جميع ما استدل به النافون والمثبتون من الأدلة العقلية والنقلية . وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ أي كالحة عابسة كئيبة قال في الصحاح : بسر الرجل وجهه بسورا أي كلح قال السدي : باسرة أي متغيرة ، وقيل مصفرة والمراد بالوجوه هنا وجوه الكفار . تَظُنُّ أي توقن أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ الفاقرة الداهية العظيمة ، يقال فقرته الفاقرة أي كسرت فقار ظهره ، قال قتادة : الفاقرة الشر ، وقال السدي : الهلاك وقال ابن زيد : دخول النار ، وقيل الحجاب عن رؤية اللّه تعالى ، والأول أولى . وأصل الفاقرة الوسم على أنف البعير بحديدة أو نار حتى تخلص إلى العظم ، كذا قال الأصمعي ومن هذا قولهم قد عمل به الفاقرة . كَلَّا ردع وزجر أي بعيد أن يؤمن الكافر بيوم القيامة ثم استأنف فقال إِذا بَلَغَتِ النفس أو الروح أي نفس المحتضر مؤمنا كان أو كافرا ، وإنما أضمرت وإن لم يجر لها ذكر لأن السياق يدل عليها التَّراقِيَ جمع ترقوة وهي عظم بين ثغرة النحر
--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 2 / 64 .