صديق الحسيني القنوجي البخاري
283
فتح البيان في مقاصد القرآن
والمناسبة بين هذه الآية وما قبلها أن تلك تضمنت الإعراض عن آيات اللّه ، وهذه تضمنت المبادرة إليها بحفظها . أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس قال : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، يعالج من التنزيل شدة فكان يحرك به لسانه وشفتيه مخافة أن يتفلت منه ، يريد أن يحفظه فأنزل اللّه لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ « 1 » يقول إن علينا أن نجمعه في صدرك ثم نقرأه فإذا قرأناه يقول إذا أنزلناه عليك فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ فاستمع له وأنصت ، ثم إن علينا بيانه أن نبينه بلسانك ، وفي لفظ علينا أن نقرأه ، فكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، بعد ذلك إذا أتاه جبريل أطرق ، وفي لفظ استمع ، فإذا ذهب قرأه كما وعده اللّه . [ سورة القيامة ( 75 ) : الآيات 20 إلى 33 ] كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ ( 20 ) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ ( 21 ) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ( 23 ) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ ( 24 ) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ ( 25 ) كَلاَّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ ( 26 ) وَقِيلَ مَنْ راقٍ ( 27 ) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ ( 28 ) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ( 29 ) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ ( 30 ) فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى ( 31 ) وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ( 32 ) ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى ( 33 ) كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ كلا للردع عن العجلة ، والترغيب في الأناة ، وقيل هي ردع لمن لا يؤمن بالقرآن وبكونه بيّنا من الكفار ، قال عطاء : أي لا يؤمن أبو جهل بالقرآن وبيانه ، قرأ أهل المدينة والكوفيون تحبون وتذرون بالفوقية في الفعلين جميعا ، وقرأ الباقون بالتحتية فيهما وهما سبعيتان ، فعلى الأولى يكون الخطاب لهم تقريعا وتوبيخا ، والمعنى تحبون الدنيا وتختارونها وتتركون الآخرة ونعيمها فلا تعملون لها ، وعلى الثانية يكون الكلام عائدا إلى الإنسان لأنه بمعنى الناس ، قال ابن مسعود عجلت لهم الدنيا خيرها وشرها ، وغيبت الآخرة ، أخرجه عبد اللّه بن أحمد في زوائد الزهد . وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ أي ناعمة غضة حسنة يقال شجر ناضر ، وروض ناضر أي حسن ناعم ، ونضارة العيش حسنه وبهجته ، قال الواحدي : قال المفسرون : مضيئة مسفرة مشرقة ، وقال ابن عباس : ناعمة وقيل مسرورة بالنعيم ، وقيل بيض يعلوها نور ، والأول أولى ، ووجوه مبتدأ وناضرة صفة لوجوه ، ويومئذ ظرف لناضرة ، وناظرة خبر مبتدأ وسوغ الابتداء بالنكرة هنا العطف عليها وكون الموضع موضع تفصيل ، ولو لم يكن المقام مقام تفصيل لكان وصف النكرة بقوله ناضرة مسوغا للابتداء بها ، ولكن مقام التفصيل بمجرده مسوغ للابتداء بالنكرة .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في بدء الوحي باب 4 ، والتوحيد باب 43 ، ومسلم في الصلاة حديث 148 ، والنسائي في الافتتاح باب 37 .