صديق الحسيني القنوجي البخاري

270

فتح البيان في مقاصد القرآن

يَتَأَخَّرَ يتخلف عنها ، والمعنى أن الإنذار قد حصل لكل من آمن وكفر ، وقيل فاعل المشيئة هو اللّه سبحانه أي لمن شاء اللّه أن يتقدم منكم بالإيمان أو يتأخر بالكفر والأول أولى ، وقال السدي لمن شاء أن يتقدم إلى النار المتقدم ذكرها أو يتأخر إلى الجنة ، وقال ابن عباس من شاء اتبع طاعة اللّه ومن شاء تأخر عنها قال الحسن هذا وعد وتهديد وإن خرج مخرج الخبر كقوله تعالى : فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ [ الكهف : 29 ] . كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ أي مأخوذة بعملها مرتهنة به إما خلصها وإما أوبقها والرهينة اسم بمعنى الرهن كالشتيمة بمعنى الشتم ، وليست صفة ولو كانت صفة لقيل رهين لأن فعيلا يستوي فيه المذكر والمؤنث ، والمعنى كل نفس رهينة بكسبها غير مفكوكة ، كافرة كانت أو مؤمنة ، عاصية أو غير عاصية إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ فإنهم لا يرتهنون بذنوبهم بل يفكون بما أحسنوا من أعمالهم ، والاستثناء متصل لأن المستثنى هو المؤمنون الخالصون من الذنوب . وقوله رهينة أي على الدوام بالنسبة للكفار ، وعلى وجه الانقطاع بالنسبة لعصاة المؤمنين ، واختلف في تعيينهم فقيل هم الملائكة وقيل المؤمنون وقيل أولاد المسلمين وأطفالهم ، وقيل الذين كانوا عن يمين آدم وقيل أصحاب الحق ، وقيل هم المعتمدون على الفضل دون العمل ، وقيل هم الذين اختارهم اللّه لخدمته ، وقال ابن عباس : هم المسلمون ، وقال علي : هم أطفال المسلمين ، قيل هو أشبه بالصواب لأن الأطفال لم يكتسبوا إثما يرتهنون به . فِي جَنَّاتٍ هو في محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هم في جنات لا يكتنه وصفها . والجملة استئناف جوابا عن سؤال نشأ مما قبله أو حال من أصحاب اليمين أو من فاعل قوله : يَتَساءَلُونَ ويجوز أن يكون ظرفا له ، ويتساءلون أي يسألون غيرهم نحو دعيته وتداعيته ، فعلى الوجه الأول يكون عَنِ الْمُجْرِمِينَ متعلقا بيتساءلون أي يسأل بعضهم بعضا عن أحوالهم ، وعلى الوجه الثاني تكون عن زائدة أي يسألون المجرمين ، ثم المراد بهم الكافرون . وهذا التساؤل فيما بينهم قبل أن يروا المجرمين فلما يرونهم يسألونهم ويقولون في سؤالهم ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ أي ما أدخلكم فيها تقول سلكت الخيط في كذا إذا أدخلته فيه ، قال الكلبي يسأل الرجل من أهل الجنة الرجل من أهل النار باسمه فيقول له يا فلان ما سلكك في النار ، وقيل إن الملائكة يسألون الملائكة عن أقربائهم فتسأل الملائكة المشركين يقولون لهم ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قال الفراء في هذا ما يقوي أن أصحاب اليمين هم الولدان لأنهم لا يعرفون الذنوب ، وهذا سؤال توبيخ وتقريع .