صديق الحسيني القنوجي البخاري
265
فتح البيان في مقاصد القرآن
ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ أي أعرض عن الحق وذهب إلى أهله وتعظم عن أن يؤمن فَقالَ عقب ما جره إليه طبعه الخبيث من الكفر القائم به إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ أي يؤثره عن غيره ويرويه عن السحرة كمسيلمة وأهل بابل ، والسحر إظهار الباطل في صورة الحق أو الخديعة على ما تقدم بيانه في سورة البقرة ، يقال أثرت الحديث تأثره إذا ذكرته عن غيرك أي أمور تخييلية لا حقائق لها وهي لدقتها بحيث تخفي أسبابها شؤون تمويهية . إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ يعني أنه كلام الإنس ، وليس بكلام اللّه ، وهو تأكيد لما قبله وقد تقدم أن الوليد بن المغيرة إنما قال هذا القول إرضاء لقومه بعد اعترافه أن له لحلاوة وأن عليه لطلاوة إلى آخر كلامه . ولما قال هذا القول الذي حكاه اللّه عنه قال اللّه عز وجل سَأُصْلِيهِ سَقَرَ أي سأدخله النار ، وسقر من أسماء النار ومن دركات جهنم ولم تتصرف للتعريف والتأنيث ، قال السمين هذا بدل من قوله سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً [ المدثر : 17 ] قاله الزمخشري ، فإن كان المراد بالصعود المشقة فالبدل واضح ، وإن كان المراد صخرة في جهنم كما جاء في بعض التفاسير فيعسر البدل ويكون فيه شبه من بدل الاشتمال لأن جهنم مشتملة على تلك الصخرة . ثم بالغ في وصف النار وشدة أمرها فقال : وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ أي وما أعلمك أي شيء هي ، والعرب تقول وما أدراك ما كذا إذا أرادوا المبالغة في أمره وتعظيم شأنه وتهويل خطبه ، و ما الأولى مبتدأ وجملة ما سَقَرُ خبر المبتدأ ثم فسر حالها فقال : لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ والجملة مستأنفة لبيان حال سقر والكشف عن وصفها ، وقيل هي في محل نصب على الحال والعامل فيها معنى التعظيم لأن قوله وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ يدل على التعظيم فكأنه قال استعظموا سقر في هذه الحال ، والأول أولى ومفعول الفعلين محذوف قال السدي لا تبقي لهم لحما ولا تذر لهم عظما ، وقال عطاء لا تبقي من فيها حيا ولا تذره ميتا ، وقيل هما لفظان بمعنى واحد كررا للتأكيد كقولك صدر عني وأعرض عني ، وقال ابن عباس لا تبقي منهم شيئا وإذا بدلوا خلقا آخر لم تذر أن تعاودهم سبيل العذاب الأول . لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ قرأ الجمهور بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف وقيل على أنه نعت لسقر والأول أولى ، وقرىء بالنصب على الحال أو الاختصاص للتهويل يقال لاح يلوح أي ظهر ، والمعنى أنها تظهر للبشر ، قال الحسن تلوح لهم جهنم حتى يرونها عيانا كقوله : وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى [ النازعات : 36 ] وقيل معنى لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ مغيرة لهم ومسودة قال مجاهد والعرب تقول لاحه الحر والبرد والحزن والسقم إذا غيره وهذا أرجح من الأول ، وإليه ذهب جمهور المفسرين .