صديق الحسيني القنوجي البخاري
24
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ أي وظن بنو النضير أن حصونهم تمنعهم من بأس اللّه ، والفرق بين هذا التركيب ، وبين النظم الذي جاء عليه ، أن في تقديم الخبر على المبتدأ دليلا على فرط وثوقهم بحصانتها ، ومنعها إياهم ، وفي تصيير ضميرهم اسما لأن وإسناد الجملة إليه دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة ، لا يبالي معها بأحد يتعرض لهم أو يطمع في مغارتهم ، وليس ذلك في قولك : وظنوا أن حصونهم تمنعهم . فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا أي أتاهم أمر اللّه من حيث لم يخطر ببالهم أنه يأتيهم أمره من تلك الجهة ، وهو أنه سبحانه أمر نبيه صلى اللّه عليه وسلم ، بقتالهم وإجلائهم ، وكانوا لا يظنون ذلك وقيل : هو قتل رئيسهم كعب بن الأشرف قاله ابن جريج والسدي وأبو صالح ، فإن قتله أضعف شوكتهم ، وقيل : إن الضمير في أتاهم ولم يحتسبوا للمؤمنين أي فأتاهم نصر اللّه من حيث لم يحتسبوا والأول أولى لقوله : وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فإن قذف الرعب كان في قلوب بني النضير ، لا في قلوب المسلمين ، قال أهل اللغة : الرعب الخوف الذي يرعب الصدر ، أي يملأه ، وقذفه إثباته فيه ، قيل : وكان قذف الرعب في قلوبهم بقتل سيدهم كعب بن الأشرف والأولى عدم تقييده بذلك وتفسيره به ، بل المراد بالرعب الذي قذفه اللّه في قلوبهم هو الذي ثبت في الصحيح من قوله صلى اللّه عليه وسلم : « نصرت بالرعب مسيرة شهر » « 1 » . يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ وذلك أنهم لما أيقنوا بالجلاء حسدوا المسلمين أن يسكنوا منازلهم ، فجعلوا يخربونها من داخل ، والمسلمون من خارج ، قال قتادة والضحاك : كان المؤمنون يخربون من خارج ليدخلوا ، واليهود من داخل ليبنوا به ما خرب من حصنهم ، قال الزجاج : معنى تخريبها بأيدي المؤمنين أنهم عرضوها لذلك ، قرأ الجمهور يخربون بالتخفيف ، وقرىء بالتشديد ، قال أبو عمرو : وإنما اخترت القراءة بالتشديد لأن الإخراب ترك الشيء خرابا ، وإنما خربوها بالهدم ، وليس ما قاله بمسلم ، فإن التخريب والإخراب عند أهل اللغة بمعنى واحد ، قال سيبويه : إن معنى فعلت وأفعلت يتعاقبان نحو أخربته وخربته ، وأفرحته وفرحته ، واختار الأولى أبو عبيد وأبو حاتم . قال الزهري وابن زيد وعروة بن الزبير : لما صالحهم النبي صلى اللّه عليه وسلم على أن لهم ما
--> ( 1 ) روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة ، أخرجه البخاري في التيمم باب 1 ، والصلاة باب 56 ، والجهاد باب 122 ، والتعبير باب 11 ، والاعتصام باب 1 ، ومسلم في المساجد حديث 3 ، 5 ، 8 ، والترمذي في السير باب 5 ، والنسائي في الغسل باب 26 ، والجهاد باب 1 ، والدارمي في السير باب 29 ، وأحمد في المسند 1 / 301 ، 2 / 222 ، 264 ، 268 ، 314 ، 396 ، 412 ، 455 ، 501 ، 3 / 304 ، 4 / 416 ، 5 / 162 ، 248 ، 256 .