صديق الحسيني القنوجي البخاري
234
فتح البيان في مقاصد القرآن
أولى لوقوع النكرتين في سياق النفي فهما يعمان كل ضرر وكل رشد في الدنيا والدين . قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ أي لا يدفع عني أحد عذابه إن أنزله بي كقول صالح فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ [ هود : 63 ] وهذا بيان لعجزه عن شؤون نفسه بعد بيان عجزه عن شؤون غيره وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً أي ملجأ ومعدلا وحرزا ألجأ إليه وأحترز به ، والملتحد معناه في اللغة الممال أي موضعا أميل إليه ، في القاموس ألحد إليه مال كالملتحد ، والملتحد الملتجأ ، وفي المصباح الملتحد بالفتح اسم الموضع وهو الملجأ اه قال قتادة : مولى ، وقال السدي : حرزا ، وقال الكلبي : مدخلا في الأرض مثل السرب ، وقيل مذهبا ومسلكا ، والمعنى متقارب . [ سورة الجن ( 72 ) : الآيات 23 إلى 28 ] إِلاَّ بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ( 23 ) حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً ( 24 ) قُلْ إِنْ أَدْرِي أَ قَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً ( 25 ) عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً ( 26 ) إِلاَّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً ( 27 ) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً ( 28 ) والاستثناء في قوله : إِلَّا بَلاغاً هو من قوله لا أملك أي لا أملك ضرا ولا رشدا إلا التبليغ مِنَ اللَّهِ فإن فيه أعظم الرشد أو من ملتحدا أي لن أجد من دونه ملجأ إلا التبليغ ، وقال مقاتل : ذلك الذي يجيرني من عذابه ، وقال قتادة : إلا بلاغا من اللّه فذلك الذي أملكه بتوفيق اللّه ، فأما الكفر والإيمان فلا أملكهما ، قال الفراء لكن أبلغكم ما أرسلت به فهو على هذا منقطع ، وقال الزجاج وهو منصوب على البدل من ملتحدا أي لن أجد من دونه ملتحدا إلا أن أبلغ ما يأتي من اللّه . وَرِسالاتِهِ معطوف على بلاغا أي إلا بلاغا من اللّه وإلا رسالاته التي أرسلني بها إليكم أو إلا أن أبلغ عن اللّه وأعمل برسالاته ، فآخذ نفسي بما آمر به غيري ، وقيل معطوف على الاسم الشريف أي إلا بلاغا عن اللّه وعن رسالاته كذا قال أبو حيان ورجحه واستظهره الكرخي . وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ في الأمر بالتوحيد ولم يؤمن لأن السياق فيه فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ قرأ الجمهور بكسر « إن » على أنها جملة مستأنفة مستقلة ، وقرىء بفتحها لأن ما بعد فاء الجزاء موضع ابتداء ، وان مع في حيزها خبر لمبتدأ مضمر ، والتقدير فجزاؤه أو فحكمه أن له نار جهنم . خالِدِينَ فِيها أي يدخلون في النار أو في جهنم مقدار خلودهم والجمع