صديق الحسيني القنوجي البخاري
232
فتح البيان في مقاصد القرآن
أراد بالمساجد الأعضاء التي يسجد عليها العبد ، وهي القدمان والركبتان واليدان والجبهة والأنف ، وهو على هذا جمع مسجد بالفتح يقول هذه أعضاء أنعم اللّه بها عليك فلا تسجد بها لغيره فتجحد نعمة اللّه ، وكذا قال عطاء وقيل المساجد هي الصلاة لأن السجود من جملة أركانها قاله الحسن ، قال ابن عباس : لم يكن يوم نزلت هذه الآية في الأرض مسجد إلا المسجد الحرام ومسجد إيليا ببيت المقدس ، وقيل المراد بها البيوت التي تبنيها أهل الملل للعبادة ، والقول بأنها البيوت المبنية للعبادة أظهر الأقوال إن شاء اللّه تعالى وهو مروي عن ابن عباس ، وإضافة المساجد إلى اللّه إضافة تشريف وتكريم وقد تنسب إلى غيره تعريفا ، قال صلى اللّه عليه وسلم : « صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام » « 1 » ذكره القرطبي . فَلا تَدْعُوا أي فلا تعبدوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً من خلقه كائنا من كان ، هذا توبيخ للمشركين في دعائهم مع اللّه غيره في المسجد الحرام ، قال مجاهد كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا باللّه ، فأمر اللّه نبيه والمؤمنين أن يخلصوا للّه الدعوة إذا دخلوا المساجد كلها ، يقول فلا تشركوا فيها صنما أو غيره مما يعبد ، وقيل المعنى أفردوا المساجد بذكر اللّه تعالى ولا تجعلوا لغير اللّه تعالى فيها نصيبا ، وفي الصحيح « من نشد ضالة في المسجد فقولوا لا ردها اللّه عليك فإن المساجد لم تبن لهذا » . وَأَنَّهُ أي وأوحي إليّ أن الشأن لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ وهو النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ولم يقل نبي اللّه أو رسول اللّه لأنه من أحب الأسماء إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم . ولأنه لما كان واقعا في كلامه صلى اللّه عليه وسلم عن نفسه جيء به على ما يقتضيه التواضع ؛ أو لأن عبادة عبد اللّه المستفادة من قوله : يَدْعُوهُ ليست بمستبعدة ؛ ثم كان وقوع هذا الأمر ببطن نخل على ما قاله المحلي ؛ وقال الحفناوي سياق هذه الآية إنما يظهر في المرة الثانية من مرّتي الجن وهي التي كانت بحجون مكة ؛ وكان معه فيها ابن مسعود وكان الجن اثني عشر ألفا أو أكثر ، وأما المرة الأولى التي تقدم الكلام فيها التي كانت ببطن نخل فكانوا فيها تسعة أو سبعة ولا يظهر في حقهم أن يقال : كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً كما لا يخفى فليتأمل اه . ومعنى الآية أنه لما قام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يصلي ويتلو القرآن كاد الجن أن يكونوا عليه صلى اللّه عليه وسلم متراكمين من ازدحامهم عليه لسماع القرآن منه ؛ قال الزجاج : ومعنى لبدا يركب
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في مسجد مكة باب 1 ، ومسلم في الحج حديث 505 - 510 ، والنسائي في المناسك باب 124 ، والترمذي في المواقيت باب 126 ، والمناقب باب 67 ، وابن ماجة في الإقامة باب 195 ، 198 ، ومالك في القبلة حديث 9 ، وأحمد في المسند 2 / 16 ، 29 ، 53 ، 54 ، 68 ، 102 ، 239 ، 251 ، 256 ، 277 ، 278 ، 386 ، 466 ، 468 ، 473 ، 484 ، 485 ، 499 ، 4 / 5 .