صديق الحسيني القنوجي البخاري

218

فتح البيان في مقاصد القرآن

تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وقيل مكرهم كفرهم وقيل : افتروا على اللّه الكذب وكذبوا رسله . وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ أي لا تتركوا عبادة آلهتكم وهي الأصنام والصور التي كانت لهم ثم عبدتها العرب من بعدهم ، وبهذا قال الجمهور وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً أي لا تتركوا عبادة هذه الأوثان . قال محمد بن كعب : هذه أسماء قوم صالحين كانوا بين آدم ونوح ، فنشأ بعدهم قوم يقتدون بهم في العبادة ، فقال لهم إبليس لو صورتم صورهم كان أنشط لكم وأشوق إلى العبادة ففعلوا ، ثم نشأ قوم من بعدهم فقال لهم إبليس إن الذين من قبلكم كانوا يعبدونهم فاعبدوهم ، فابتداء عبادة الأوثان كان من ذلك الوقت ، وسميت هذه الصور بهذه الأسماء لأنهم صوروها على صور أولئك القوم . وقال عروة بن الزبير وغيره إن هذه كانت أسماء أولاد آدم وكان ود أكبرهم ، وكانوا عبادا فمات رجل منهم فحزنوا عليه ، فقال الشيطان أنا أصور لكم مثله إذا نظرتم إليه ذكرتموه ، قالوا افعل فصوره في المسجد من صفر ورصاص ، ثم مات آخر فصوره حتى ماتوا كلهم وصورهم ، فلما تقدم الزمان تركت الناس عبادة اللّه فقال لهم الشيطان ما لكم لا تعبدون شيئا قالوا وما نعبد ، قال آلهتكم وآلهة آبائكم ، ألا ترون أنها في مصلاكم فعبدوها من دون اللّه حتى بعث اللّه نوحا عليه السلام فقالوا : لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ الآية . قال الماوردي : فأما ود فهو أول صنم معبود سمي ودا لودهم له وكان بعد قوم نوح لكلب بدومة الجندل ، في قول ابن عباس وعطاء ومقاتل ، وفيه يقول الشاعر : حياك ود فإنا لا يحل لنا * لهو النساء وإن الدين قد غربا وأما سواع فكان لهذيل بساحل البحر ، وأما يغوث فكان لغطيف من مراد بالجرف من سبأ في قول قتادة ، وقال المهدوي : لمراد ثم لغطفان ، وأما يعوق فكان لهمدان في قول قتادة وعكرمة وعطاء ، وقال الثعلبي : كان لكهلان بن سبأ ثم توارثوه حتى صار في همدان وفيه يقول مالك بن نمط الهمداني . يريش اللّه في الدنيا ويبري * ولا يبري يعوق ولا يريش وأما نسر فكان بذي الكلاع من حمير في قول قتادة ومقاتل ، قال ابن عباس هذه الأصنام كانت تعبد في زمن نوح ، قال الواقدي كان ود على صورة رجل ، وسواع على صورة امرأة ، ويغوث على صورة أسد ، ويعوق على صورة فرس ، ونسر على صورة النسر الطائر . قال البقاعي : ولا يعارض هذا أنهم صور لناس صالحين لأن تصويرهم لهم يمكن أن يكون منتزعا من معانيهم ، فكان ود كاملا في الرجولية ، وكان سواع امرأة