صديق الحسيني القنوجي البخاري
199
فتح البيان في مقاصد القرآن
عمر الدنيا هذا المقدار لا يدري أحدكم مضى ولا كم بقي ولا يعلم ذلك إلا اللّه . والكلام على مدة عمر الدنيا ماضيها وباقيها مبسوط في كتابنا لقطة العجلان مما تمس إليه حاجة الإنسان ، وقال قتادة والكلبي ومحمد بن كعب أن المراد يوم القيامة يعني أن مقدار الأمر فيه لو تولاه غيره سبحانه خمسون ألف سنة ، وهو سبحانه يفرغ منه في ساعة ، وقيل إن مدة موقف العباد للحساب هي هذا المقدار ثم يستقر بعد ذلك أهل الجنة في الجنة ، وأهل النار في النار ، وقيل إن مقدار يوم القيامة على الكافرين خمسون سنة وعلى المؤمنين مقدار ما بين الظهر والعصر . وقيل ذكر هذا المقدار لمجرد التمثيل والتخييل لغاية ارتفاع تلك المعارج وبعد مداها أو لطول يوم القيامة باعتبار ما فيه من الشدائد والمكاره كما تصف العرب أيام الشدة بالطول ، وأيام الفرح بالقصر . ويشبهون اليوم القصير بإبهام القطاة ، والطويل بظل الرمح ، وحينئذ لا تنافي بين هذه الآية وبين آية السجدة فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ [ السجدة : 5 ] لأنه أيضا مسوق على سبيل التشديد على الكافرين . وقيل في الكلام تقديم وتأخير أي ليس له دافع من اللّه ذي المعارج في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة تعرج الملائكة والروح إليه ، وقال ابن عباس : في الآية منتهى أمره من أسفل الأرضين إلى منتهى أمره من فوق سبع سماوات مقدار خمسين ألف سنة . وقوله فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ قال يعني ينزل الأمر من السماء إلى الأرض ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد ، فذلك مقداره ألف سنة لأن ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام ، وعنه قال غلظ كل أرض خمسمائة عام ، وغلظ كل سماء خمسمائة عام وبين كل أرض إلى أرض خمسمائة عام ، ومن السماء إلى السماء خمسمائة عام ، فذلك أربعة عشر ألف عام ، وبين السماء السابعة وبين العرش مسيرة ستة وثلاثين ألف عام فذلك قوله : فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ . وعنه في قوله : فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [ السجدة : 5 ] قال هذا في الدنيا تعرج الملائكة في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ، وفي قوله : مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ فهذا يوم القيامة جعله اللّه سبحانه على الكافرين خمسين ألف سنة ، وعنه قال لو قدرتموه لكان خمسين ألف سنة من أيامكم يعني يوم القيامة . وعن أبي سعيد الخدري قال : قيل يا رسول اللّه يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ما أطول هذا اليوم فقال : « والذي نفسي بيده إنه ليخفف عن المؤمن حتى يكون أهون عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا » « 1 » أخرجه أحمد وأبو يعلى وابن جرير
--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 3 / 75 .