صديق الحسيني القنوجي البخاري
194
فتح البيان في مقاصد القرآن
يشفع له يحرق له قلبه لأنه يوم يفر فيه القريب من قريبه ، ويهرب عنده الحبيب من حبيبه وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ أي وليس له طعام يأكله إلا من صديد أهل النار وما ينغسل من أبدانهم من القيح والصديد ، وغسلين فعلين من الغسل أو الغسالة فنونه وياؤه زائدتان . قال أهل اللغة هو ما يجري من الجراح إذا ما غسلت ، وقال الضحاك والربيع بن أنس : هو شجر يأكله أهل النار ، وقال قتادة : هو شر الطعام ، وقال ابن زيد : لا يعلم ما هو ولا ما الزقوم إلا اللّه تعالى ، وعن ابن عباس قال : الغسلين الدم والماء والصديد الذي يسيل من لحومهم . وعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « لو أن دلوا من غسلين يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا » أخرجه الحاكم « 1 » وصححه ، وعن ابن عباس أيضا قال الغسلين اسم طعام من أطعمه أهل النار ، وقال سبحانه في موضع آخر لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ [ الغاشية : 6 ] فيجوز أن يكون الضريع هو الغسلين ، وقيل في الكلام تقديم وتأخير ، والمعنى فليس له اليوم ههنا حميم إلا من غسلين ، على أن الحميم هو الماء الحار ، ولا طعام أي ليس لهم طعام يأكلونه ، قاله أبو البقاء ، ولا ملجىء لهذا التقديم والتأخير . والتوفيق بين ما هنا وبين قوله في محل آخر إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ [ الغاشية : 6 ] وفي موضع آخر إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ [ الدخان : 43 ، 44 ] وفي موضع آخر ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ [ البقرة : 174 ] أنه يجوز أن يكون طعامهم جميع ذلك وأن العذاب أنواع والمعذبين طبقات فمنهم أكلة الغسلين ومنهم أكلة الضريع ومنهم أكلة الزقوم ومنهم أكلة النار لكل باب منهم جزء مقسوم . لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ المراد بهم أصحاب الخطايا وأرباب الذنوب ، قال الكلبي : المراد أهل الشرك ، قرأ الجمهور الْخاطِؤُنَ مهموزا وهو اسم فاعل من خطىء يخطأ من باب علم إذا فعل غير الصواب متعمدا والمخطىء من يفعله غير متعمد ، وقرىء الخاطيون بالياء المضمومة بدل الهمزة وقرىء بالطاء المضمومة بدون همزة . فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ من المخلوقات وَما لا تُبْصِرُونَ منها قال قتادة أقسم بالأشياء كلها ما يبصر منها وما لا يبصر ، فيدخل في هذا جميع المخلوقات ، والإقسام بغير اللّه إنما نهي عنه في حقنا وأما هو تعالى فيقسم بما شاء على ما شاء ، وهذا رد لكلام المشركين كأنه قال ليس الأمر كما تقولون ، و لا زائدة والتقدير فأقسم بما تشاهدونه وما لا تشاهدونه .
--> ( 1 ) المستدرك 2 / 501 .