صديق الحسيني القنوجي البخاري

176

فتح البيان في مقاصد القرآن

في شيء يحتاج فيه إلى الجد شمر عن ساقه فاستعير الساق والكشف عن موضع الشدة وهكذا قال غيره من أهل اللغة ، وقد استعملت ذلك العرب في أشعارها وكثر في كلامهم حتى صار كالمثل للأمر العظيم الشديد فهذا التركيب من قبيل الكناية أو الاستعارة التمثيلية . قال الزمخشري : الكشف عن الساق والإبداء عن الحزام مثل في شدة الأمر وصعوبة الخطب ، وقيل ساق الشيء أصله وقوامه كساق الشجرة وساق الإنسان أي يوم يكشف عن ساق الأمر فتظهر حقائقه ، وقيل يكشف عن ساق جهنم ، وقيل عن ساق العرش ، وقيل هو عبارة عن القرب ، وقيل يكشف عن ساق الرب سبحانه عن نوره . وقال النسفي : لا كشف ثمة ولا ساق ولكن كني به عن الشدة لأنهم إذا ابتلوا بشدة كشفوا عن الساق ، وأما من شبه فلضيق عطنه وقلة نظره في علم البيان ولو كان الأمر كما زعم المشبه لكان من حق الساق أن تعرف لأنها ساق معهودة عنده انتهى وسيأتي ما هو الحق ، قرأ الجمهور يكشف بالتحتية مبنيا للمفعول ، وقرأ ابن مسعود وابن عباس وغيرهما بالفوقية مبنيا للفاعل أي الشدة أو الساعة ، وقرىء بالفوقية مبنيا للمفعول وقرىء بالنون وقرىء بالفوقية المضمومة وكسر الشين من أكشف الأمر أي دخل في الكشف . عن أبي هريرة في الآية قال : « يكشف اللّه عز وجل عن ساقه » ، وعن ابن مسعود قال : « يكشف عن ساقه تبارك وتعالى » ، وعن ابن عباس قال يكشف عن أمر عظيم ، وقال : قال ابن مسعود يكشف عن ساقه فيسجد كل مؤمن ويقسو ظهر الكافر فيصير عظما واحدا . وعن ابن عباس أنه سئل عن قوله يوم يكشف عن ساق ، قال إذا خفي عليكم شيء من القرآن فاتبعوه في الشعر فإنه ديوان العرب أما سمعتم قول الشاعر : وقامت الحرب بنا على ساق قال ابن عباس هذا يوم كرب شديد ، وروي عنه نحو هذا من طرق أخرى وعنه هو أشد ساعة يوم القيامة وقد أغنانا اللّه سبحانه في تفسير هذه الآية بما صح عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فقد أخرج البخاري وغيره عن أبي سعيد قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقا واحدا » « 1 » وهذا الحديث ثابت من طرق في

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في التوحيد باب 24 ، وتفسير سورة 68 ، باب 2 ، ومسلم في الإيمان حديث 302 ، وأبو داود في الرقاق باب 83 ، وأحمد في المسند 3 / 17 .