صديق الحسيني القنوجي البخاري
173
فتح البيان في مقاصد القرآن
يريده ، وقيل المعنى هلا تستغفرون اللّه من فعلكم وتتوبون إليه من هذه النية التي عزمتم عليها ، وكان أوسطهم قد قال لهم ذلك . وقيل المعنى هلا تتركون شيئا للمساكين من ثمر جنتكم والأول أولى . فلما قال لهم ذلك بعد مشاهدتهم للجنة على تلك الحالة قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا أي تنزيها له عن أن يكون ظالما فيما صنع بجنتنا ، ثم أكدوا قباحة فعلهم هضما لأنفسهم وتحقيقا لتوبتهم بقوله : إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ أي إن ذلك بسبب ذنبنا الذي فعلناه ، قيل معنى تسبيحهم الاستغفار أي نستغفر ربنا من ذنبنا إنا كنا ظالمين لأنفسنا في منعنا للمساكين . فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ أي يلوم بعضهم بعضا في منعهم للمساكين وعزمهم على ذلك ، يقول هذا لهذا أنت أشرت علينا بهذا الرأي ، ويقول ذاك لهذا أنت خوفتنا الفقر ، ويقول الثالث لغيره أنت رغبتني في جمع المال ، ثم نادوا على أنفسهم بالويل حيث : قالُوا يا وَيْلَنا هذا وقت حضورك إلينا ومنادمتك لنا فإنه لا نديم لنا الآن غيرك إِنَّا كُنَّا طاغِينَ أي عاصين متجاوزين حدود اللّه بمنع الفقراء وترك الاستثناء ، قال ابن كيسان أي طغينا نعم اللّه فلم نشكرها كما شكرها أبونا من قبل . [ سورة القلم ( 68 ) : الآيات 32 إلى 37 ] عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ ( 32 ) كَذلِكَ الْعَذابُ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( 33 ) إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( 34 ) أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ( 35 ) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ( 36 ) أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ ( 37 ) ثم رجعوا إلى اللّه وسألوه أن يعوضهم بخير منها فقالوا : عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها قيل إنهم تعاقدوا فيما بينهم وقالوا إن أبدلنا اللّه خيرا منها لنصنعن كما صنع أبونا فدعوا اللّه وتضرعوا فأبدلهم من ليلتهم ما هو خير منها بأن أمر اللّه جبريل أن يقتلع تلك الجنة المحترقة فيجعلها بزغر من أرض الشام ويأخذ من الشام جنة فيجعلها بمكانها ، قرأ الجمهور يبدلنا بالتخفيف وقرىء بالتشديد وهما لغتان وقراءتان سبعيتان ، والتبديل تغيير ذات الشيء أو تغيير صفته ، والإبدال رفع الشيء جملة ووضع آخر مكانه كما مضى في سورة سبأ . إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ أي طالبون منه الخير راجون لعفوه راجعون إليه وعدّي بإلى وهو إنما يتعدى بعن أو بفي لتضمينه معنى الرجوع . عن ابن مسعود بلغني أنهم أخلصوا وعرف اللّه منهم الصدق فأبدلهم بها جنة تسمى الحيوان فيها عنب يحمل البغل منه عنقودا واحدا ، وقال اليماني أبو خالد : دخلت تلك الجنة فرأيت فيها كل عنقود منها كالرجل القائم الأسود .