صديق الحسيني القنوجي البخاري

169

فتح البيان في مقاصد القرآن

سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ أي سنكويه بالكي على أنفه مهانة له وعلامة يعير بها ما عاش ، قال أبو عبيدة وأبو زيد والمبرد : الخرطوم الأنف وتخصيص الأنف بالذكر لأن الوسم عليه أبشع ؛ وفي التعبير عن الأنف بالخرطوم استهجان واستهزاء باللعين ، لأن الخرطوم أنف السباع وغالب ما يستعمل في أنف الفيل والخنزير ، وفي القاموس الخرطوم كزنبور الأنف أو مقدمه أو ما ضممت عليه الحنكين كالخرطم كقنفذ . وفي السمين هو هنا عبارة عن الوجه كله من التعبير عن الكل باسم الجزء لأنه أظهر ما فيه وأعلاه ، والأول أولى ، وقد جرح أنف هذا اللعين يوم بدر فبقي أثر الجرح في أنفه بقية عمره . وقال مقاتل سنسمه بالسواد على الأنف وذلك أنه يسود وجهه قبل دخول النار وقال الزجاج : سنجعل له في الآخرة العلم الذي يعرف به أهل النار من اسوداد وجوههم ، وقال قتادة : سنلحق به شيئا لا يفارقه . واختار هذا ابن قتيبة قال : والعرب تقول قد وسمه ميسم سوء يكون ألصق به عارا لا يفارقه فالمعنى أن اللّه ألحق به عارا لا يفارقه كالوسم على الخرطوم ، وقيل معنى سنسمه سنحطمه بالسيف وقال النضر بن شميل : المعنى سنجده على شرب الخمر وقد يسمى الخمر بالخرطوم ومنه قول الشاعر : تظل يومك في لهو وفي طرب * وأنت بالليل شراب الخراطيم إِنَّا بَلَوْناهُمْ يعني كفار مكة فإن اللّه ابتلاهم بالجوع والقحط بدعوة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى أكلوا الجيف والرمم ، والابتلاء الاختبار ، والمعنى أعطيناهم الأموال ليشكروا لا ليبطروا فلما بطروا وعادوا محمدا صلى اللّه عليه وسلم ابتليناهم ابتلاء . كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ المعروف خبرهم عندهم ، وذلك أنها كانت بأرض اليمن على فرسخين من صنعاء لرجل يؤدي حق اللّه منها فمات وصارت إلى أولاده ، فمنعوا الناس خيرها وبخلوا بحق اللّه فيها ، قال الواحدي هم قوم من ثقيف كانوا باليمن مسلمين ورثوا من أبيهم ضيعة فيها جنات وزرع ونخيل ، وكان أبوهم يجعل مما فيها من كل شيء حظا للمساكين عند الحصاد والصرام ، فقالت بنوه المال قليل والعيال كثير ، ولا يسعنا أن نفعل كما كان يفعل أبونا وعزموا على حرمان المساكين فصارت عاقبتهم إلى ما قص اللّه في كتابه . وقال الحسن : كانوا كفارا قال النسفي : والجمهور على الأول ، وقال الكلبي : كان بينهم وبين صنعاء فرسخان ، ابتلاهم اللّه بأن حرق جنتهم وقيل هي جنة كانت بصروان وصروان بالصاد المهملة على فراسخ من صنعاء وكان أصحاب هذه الجنة بعد رفع عيسى بزمن يسير ، قاله الزرقاني : في شرح المواهب ، وذكره القرطبي أيضا ومثله في حواشي البيضاوي ، وقال ابن عباس : هم ناس من أهل الحبشة كان لأبيهم جنة وكان يطعم منها المساكين فمات أبوهم فقال بنوه : إن كان أبونا لأحمق كان يطعم المساكين .