صديق الحسيني القنوجي البخاري
160
فتح البيان في مقاصد القرآن
استهزاء وسخرية وتكذيبا مَتى هذَا الْوَعْدُ الذي تذكرون من الحشر والقيامة والنار والعذاب إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في ذلك والخطاب منهم للنبي صلى اللّه عليه وسلم ولمن معه من المؤمنين لأنهم كانوا مشاركين له في الوعد وتلاوة الآيات المتضمنة له ، وجواب الشرط محذوف والتقدير إن كنتم صادقين فأخبرونا به أو فبينوا وقته لنا . ثم لما قالوا هذا القول أمر اللّه سبحانه رسوله صلّى اللّه عليه وسلم أن يجيب عليهم فقال : قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ أي أن وقت قيام الساعة علمه عِنْدَ اللَّهِ لا يعلمه غيره ومثله قوله : إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي [ الأعراف : 187 ] ثم أخبرهم أنه مبعوث للإنذار لا للإخبار بالغيب فقال : وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ أي أنذركم عاقبة كفركم وأبيّن لكم ما أمرني اللّه ببيانه بإقامة الأدلة حتى يصير ذلك كأنه مشاهد ، والإنذار يكفي له العلم بل الظن بوقوع المحذر منه . [ سورة الملك ( 67 ) : الآيات 27 إلى 30 ] فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ ( 27 ) قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ( 28 ) قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 29 ) قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ ( 30 ) ثم ذكر سبحانه حالهم عند معاينة العذاب فقال : فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً الفاء فصيحة معربة عن تقدير جملتين وترتيب الشرطية عليهما كأنه قيل وقد أتاهم الموعود به فرأوه فلما رأوه الخ ، وزلفة مصدر بمعنى الفاعل أي مزدلفا أو حال من المفعول أو ذا زلفة وقرب ، أو رأوه في مكان ذا زلفة قال مجاهد : أي قريبا وقال الحسن : عيانا . وأكثر المفسرين على أن المراد عذاب الآخرة يوم القيامة ، وقال مجاهد : المراد عذاب بدر وقيل رأوا ما وعدوا به من الحشر قريبا منهم كما يدل عليه قوله : وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [ المؤمنون : 79 ] وقيل لما رأوا عملهم السئ قريبا . سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا أي اسودت وعلتها الكآبة والقترة وغشيتها الذلة والسواد يقال ساء الشيء يسوء فهي سيىء إذا قبح ، والأصل ساء وجوههم العذاب ورؤيته أي حزنها ، وساءت هنا ليست هي المرادفة لبئس . والمقام للضمير وأتى بالمظهر توصلا لذمهم بالكفر وتعليل المساءة به ، قال الزجاج المعنى تبين فيها السوء أي ساءهم ذلك العذاب فظهر عليه بسببه في وجوههم ما يدل على كفرهم كقوله : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ [ آل عمران : 106 ] قرأ الجمهور سيئت بكسر السين بدون إشمام وقرىء بالإشمام .