صديق الحسيني القنوجي البخاري

16

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ لا يخفى عليه شيء من أعمالكم من خير وشر فهو مجازيكم بالخير خيرا وبالشر شرا . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ المناجاة المساررة ، والمعنى إذا أردتم مساررة الرسول في أمر من أموركم فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ أي مساررتكم له صَدَقَةً في هذا الأمر تعظيم لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وانتفاع الفقراء والنهي عن الإفراط في السؤال ، والميز بين المخلص والمنافق ومحب الدنيا والآخرة ، واختلف في أنه للندب أو للوجوب ، قال الحسن : نزلت بسبب أن قوما من المسلمين كانوا يستخلون النبي صلى اللّه عليه وسلم ، يناجونه فظن بهم قوم من المسلمين أنهم ينتقصونهم في النجوى ، فشق عليهم ذلك فأمرهم اللّه بالصدقة عند النجوى ليقطعهم عن استخلائه . وقال زيد بن أسلم : نزلت بسبب أن المنافقين واليهود كانوا يناجون النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ويقولون : إنه أذن يسمع كل ما قيل له ، وكان لا يمنع أحدا من مناجاته ، وكان ذلك يشق على المؤمنين ، لأن الشيطان كان يلقي في أنفسهم أنهم ناجوه بأن جموعا اجتمعت لقتاله ، فأنزل اللّه الآية الأولى فلم ينتهوا ، فأنزل اللّه هذه الآية فانتهى أهل الباطل ، لأنهم لم يقدموا بين يدي نجواهم صدقة ، وشق ذلك على أهل الإيمان ، وامتنعوا عن النجوى لضعف كثير منهم عن الصدقة ، فخفف اللّه عنهم بالآية التي بعد هذه . وقال ابن عباس : إن المسلمين أكثروا المسائل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، حتى شقوا عليه ، فأراد اللّه أن يخفف عن نبيه صلى اللّه عليه وسلم ، فلما قال ذلك : ضن كثير من الناس وكفوا عن المسألة . فأنزل اللّه بعد هذا أَ أَشْفَقْتُمْ الآية فوسع اللّه عليهم ولم يضيق . وعن علي بن أبي طالب قال : « لما نزلت هذه الآية قال لي النبي صلى اللّه عليه وسلم : ما ترى دينارا ؟ قلت : لا يطيقونه ، قال : فنصف دينار قلت : لا يطيقونه ، قال : فكم ؟ قلت : شعيرة قال إنك لزهيد ، قال : فنزلت أَ أَشْفَقْتُمْ الآية في خفف اللّه عن هذه الأمة » « 1 » والمراد بالشعيرة هنا وزن شعيرة من ذهب ، وليس المراد الواحدة من حب الشعير ، أخرجه الترمذي وحسنه أبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وغيرهم . وعنه رضي اللّه تعالى عنه قال ما عمل بها أحد غيري حتى نسخت ، وما كانت إلا ساعة يعني آية النجوى ، وعنه رضي اللّه عنه قال : إن في كتاب اللّه لآية ما عمل بها أحد قبلي ، ولا يعمل بها أحد بعدي ، آية النجوى كان عندي دينار فبعته بعشرة دراهم ، فكنت كلما ناجيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قدمت بين يدي نجواي درهما ، ثم نسخت فلم يعمل بها أحد فنزلت أَ أَشْفَقْتُمْ الآية ، وعن سعد بن أبي وقاص قال : نزلت آية النجوى فقدمت شعيرة ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، « إنك لزهيد » ، فنزلت الآية الأخرى أَ أَشْفَقْتُمْ الآية .

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في تفسير سورة 58 ، باب 1 .