صديق الحسيني القنوجي البخاري
139
فتح البيان في مقاصد القرآن
يؤدي عن معنى الجمع كقوله : وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً [ النساء : 69 ] وقد تقرر في علم النحو أن مثل جريح وصبور وظهير يوصف به الواحد والمثنى والجمع ، وإنما عدل عن عطف المفرد إلى عطف الجملة ليؤذن بالفرق فإن نصرة اللّه هي النصرة في الحقيقة ، وأنه تعالى إنما ضم إليها المظاهرة بجبريل وبصالح المؤمنين وبالملائكة للتتميم ، تطبيبا لقلوب المؤمنين ، وتوقيرا للنبي الرسول وإظهارا للآيات البينات ، كما في يوم بدر وحنين . قال تعالى : وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [ آل عمران : 126 ] . [ سورة التحريم ( 66 ) : الآيات 5 إلى 9 ] عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً ( 5 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ( 6 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 7 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 8 ) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 9 ) عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ بالتخفيف والتشديد سبعيتان ، أي يعطيه بدلكن أَزْواجاً خَيْراً أي أفضل مِنْكُنَّ وقد علم اللّه سبحانه أنه لا يطلقهن ، ولكن أخبر عن قدرته على أنه إن وقع منه الطلاق أبدله خيرا منهن تخويفا لهن ، وهو كقوله : وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ [ محمد : 38 ] فإنه إخبار عن القدرة ، وتخويف لهم ، والممتنع بمقتضى الآية إنما هو تطليق الكل ، فلا ينافي أنه طلق واحدة ، وأنها لم تبدل ، لأن التبديل إنما هو للكل ، وإنما هو مرتب على تطليق الكل ، وفي الخطيب قيل : كل عَسى في القرآن واجب الوقوع إلا هذه الآية ، وقيل : هي من الواجب أيضا ، ولكن اللّه علمه بشرط وهو التطليق للكل ، ولم يطلقهن وفي الكرخي ، قال ابن عرفة : عسى هنا للتخويف لا للوجوب . ثم نعت سبحانه الأزواج بقوله : مُسْلِماتٍ أي قائمات بفرائض الإسلام إما نعت أو حال أو منصوب على الاختصاص وقال سعيد بن جبير مسلمات أي مخلصات مقرات ، وقيل : معناه مسلمات لأمر اللّه ورسوله مُؤْمِناتٍ أي مصدقات باللّه وملائكته وكتبه ورسله ، والقدر خيره وشره قانِتاتٍ مطيعات للّه ، والقنوت الطاعة ، وقيل : مصليات بالليل ، وقيل : داعيات ، وقيل : طائعات .