صديق الحسيني القنوجي البخاري
127
فتح البيان في مقاصد القرآن
الآخرة حسابا شديدا . قال ابن عباس : يقول لم ترحم ، والنكر المنكر قرىء نكرا بسكون الكاف وضمها وهما سبعيتان . فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها أي عاقبة كفرها وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً أي هلاكا في الدنيا وعذابا في الآخرة ، وجيء به على لفظ الماضي ، لأن المنتظر من وعد اللّه ووعيده ملقى في الحقيقة وما هو كائن فكأن قد كان أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً في الآخرة وهو عذاب النار والتكرير للتأكيد . فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ أي يا أصحاب العقول الراجحة وقوله : الَّذِينَ آمَنُوا في محل نصب بتقدير أعني ، بيانا للمنادى ، أو عطف بيان له ، أو نعت قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولًا فيه أوجه . أحدها : وإليه ذهب الزجاج والفارسي أنه منصوب بالمصدر المنون قبله ، لأنه ينحل بحرف مصدري وفعل ، كأنه قيل : إن ذكر رسولا . الثاني : أنه جعل نفس الذكر مبالغة فأبدل منه . الثالث : أنه بدل منه على حذف مضاف من الأول تقديره أنزل ذا ذكر رسولا . الرابع : كذلك إلا أن رسولا نعت لذلك المحذوف . الخامس : أنه بدل منه على حذف مضاف من الثاني ، أي ذكرا ذا رسول . السادس : أن يكون رسولا نعتا لذكرا على حذف مضاف ، أي ذكرا للرسول ، فذا رسول نعت لذكرا . السابع : أن يكون رسولا بمعنى رسالة ، فيكون رسولا بدلا صريحا من غير تأويل ، أو بيانا عند من يرى جريانه في النكرات كالفارسي ، إلا أن هذا يبعده قوله الآتي : يَتْلُوا عَلَيْكُمْ لأن الرسالة لا تتلو إلا بمجاز . الثامن : أن يكون رسولا منصوبا بفعل مقدر أي أرسل رسولا . قال الزجاج : إنزال الذكر دليل على إضمار أرسل . التاسع : أن يكون منصوبا على الإغراء أي اتبعوا والزموا رسولا ، ذكره السمين . وقيل إن الذكر ههنا بمعنى الشرف كقوله : لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ [ الأنبياء : 10 ] ، وقوله : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [ الزخرف : 44 ] ، ثم بين هذا الشرف فقال : رَسُولًا ، واختلف الناس في رسولا ، هل هو النبي صلى اللّه عليه وسلم ؟ أو القرآن نفسه ؟ أو جبريل ؟ فقد ذهب الأكثر ومنهم ابن عباس إلى أن المراد بالرسول هنا محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وقال الكلبي : هو جبريل ، وبه قال الزمخشري ، والمراد بالذكر القرآن ، ويختلف المعنى باختلاف وجوه الإعراب السابقة كما لا يخفى ، ثم نعت سبحانه الرسول المذكور بقوله :