صديق الحسيني القنوجي البخاري
120
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ هذا أمر للشهود بأن يأتوا بما شهدوا به تقربا إلى اللّه . وإنما حث على أداء الشهادة لما فيه من العسر على الشهود ، لأنه ربما يؤدي إلى أن يترك الشاهد مهماته ولما فيه من عسر لقاء الحاكم الذي يؤدي عنده ، وربما بعد مكانه ، وكان للشاهد عوائق ، وقيل : الأمر للأزواج بأن يقيموا الشهادة أي الشهود عند الرجعة فيكون قوله : وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ أمرا بنفس الإشهاد ، وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ أمر بأن تكون خالصة لِلَّهِ لا لمشهود عليه ، أو له ، ولا لغرض من الأغراض سوى إقامة الحق ودفع الضرر . ذلِكُمْ أي ما تقدم من الأمر بالإشهاد وإقامة الشهادة للّه ، أو ما ذكر من أول السورة إلى هنا يُوعَظُ بِهِ أي يلين ويرقق به مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ خص المؤمن لأنه المنتفع بذلك دون غيره . وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً مما وقع فيه من الشدائد والمحن ، والجملة اعتراضية مؤكدة لما سبق من إجراء أمر الطلاق على السنة ، والمعنى من يتق اللّه فطلق للسنة ولم يضار المعتدة ، ولم يخرجها من مسكنها ، واحتاط فأشهد ، يجعل اللّه له مخرجا مما في شأن الأزواج من الغموم والوقوع في المضايق ، ويفرج عنه ويعطيه الخلاص . قال ابن مسعود : مخرجه أن يعلم أنه من قبل اللّه ، وأن اللّه هو الذي يعطيه ، وهو يمنعه ، وهو يبتليه ، وهو يعافيه ، وهو يدفع عنه . وقال ابن عباس ينجيه من كل كرب في الدنيا والآخرة . وعن جابر قال : « نزلت هذه الآية في رجل من أشجع كان فقيرا خفيف ذات اليد كثير العيال ، فأتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فسأله فقال : اتق اللّه واصبر ، فلم يلبث إلا يسيرا حتى جاء ابن له بغنم كان العدو أصابوه فأتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فسأله عنها وأخبره خبرها فقال : كلها فنزلت : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ الآية » أخرجه الحاكم وصححه وضعفه الذهبي . وعن ابن عباس قال : « جاء عوف بن مالك الأشجعي إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه إن ابني أسره العدو ، وجزعت أمه فما تأمرني ؟ قال : آمرك وإياها أن تستكثرا من قول : لا حول ولا قوة إلا باللّه ، فقالت المرأة : نعم ما أمرك ، فجعلا يكثران منها فتغفل عنه العدو فاستاق غنمهم ، فجاء بها إلى أبيه فنزلت هذه الآية » أخرجه ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عنه ، وفي الباب روايات تشهد لهذا ، وعن عائشة في الآية قالت : يكفيه هم الدنيا وغمها . وعن أبي ذر قال : « جعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يتلو هذه الآية فجعل يرددها حتى نعست ، ثم قال : يا أبا ذر لو أن الناس كلهم أخذوا بها لكفتهم » ، وفي الباب أحاديث ، وقال الكلبي : ومن يتق اللّه بالصبر عند المصيبة يجعل له مخرجا من النار