صديق الحسيني القنوجي البخاري

11

فتح البيان في مقاصد القرآن

نجوى ، وقرىء بالياء الموحدة وبالرفع عطفا على محل نجوى ، قال الواحدي : قال المفسرون : إن المنافقين واليهود كانوا يتناجون فيما بينهم ، ويوهمون المؤمنين أنهم يتناجون فيما يسوؤهم فيحزنون لذلك ، فلما طال ذلك وكثر ، شكوا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأمرهم أن لا يتناجوا دون المسلمين ، فلم ينتهوا وعادوا إلى مناجاتهم ، فأنزل اللّه هذه الآيات : أَيْنَ ما كانُوا معناه إحاطة علمه بكل تناج يكون معهم في أي مكان من الأمكنة ، ولو كانوا تحت الأرض ، فإن علمه بالأشياء ليس لقرب مكان حتى يتفاوت بقرب الأمكنة وبعدها ، ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ أي يخبرهم بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ توبيخا لهم وتبكيتا وإلزاما للحجة إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ لا يخفى عليه شيء كائنا ما كان . [ سورة المجادلة ( 58 ) : الآيات 8 إلى 10 ] أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 8 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 9 ) إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 10 ) أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ هؤلاء هم من تقدم ذكرهم من المنافقين واليهود ، وصيغة المضارع للدلالة على تمكن عودهم وتجدده ، واستحضار صورته العجيبة ، قال مقاتل : كان بين النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وبين اليهود مواعدة ، فإذا مر بهم الرجل من المؤمنين تناجوا بينهم حتى يظن المؤمن شرا فنهاهم اللّه فلم ينتهوا ، فنزلت وقال ابن زيد : كان الرجل يأتي النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فيسأله الحاجة ويناجيه ، والأرض يومئذ حرب ، فيتوهمون أنه يناجيه في حرب أو بلية أو أمر مهم ، فيفزعون لذلك . وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ قرأ الجمهور يَتَناجَوْنَ بوزن يتفاعلون لقوله فيما بعد إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا ، وقرىء ينتجيون بوزن يفتعلون ، وحكى سيبويه أن تفاعلوا وافتعلوا يأتيان بمعنى واحد ، نحو تخاصموا واختصموا وتقاتلوا واقتتلوا ، ومعنى الإثم ما هو إثم في نفسه ، كالكذب والظلم ، والعدوان ما فيه عدوان على المؤمنين . وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ أي مخالفته ، وقرىء معصيات بالجمع ، وذلك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، نهاهم عن النجوى فعصوه وعادوا إليها ، وقيل : المعنى يوصي بعضهم بعضا بمعصية الرسول ، رسمت معصية هذه والتي بعدها بالتاء المجرورة وإذا وقف عليها فأبو عمرو وابن كثير والكسائي يقفون بالهاء ، غير أن الكسائي يقف بالإمالة على أصله ، والباقون يقفون بالتاء على الرسم ، واتفقوا في الوصل على التاء .