صديق الحسيني القنوجي البخاري
109
فتح البيان في مقاصد القرآن
الثقيل القطر ، والمراد بأمرهم هنا ما وقع منهم من الكفر والمعاصي ، والوبال ما أصيبوا به من عذاب الدنيا وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ في الآخرة وهو عذاب النار . ذلِكَ أي ما ذكر من العذاب في الدارين وهو مبتدأ وخبره بِأَنَّهُ أي بسبب أنها كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ أي الرسل المرسلة إليهم بِالْبَيِّناتِ أي بالحجج الباهرة والمعجزات الظاهرة فَقالُوا أَ بَشَرٌ يَهْدُونَنا أي قال قوم منهم لرسولهم هذا القول ، منكرين أن يكون الرسول من جنس البشر ، متعجبين من ذلك ، كما قالت ثمود : أَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ [ القمر : 24 ] ، ومن غباوتهم أنهم أنكروا أن يكون الرسول بشرا وسلموا واعتقدوا أن الإله يكون حجرا ، وأراد بالبشر الجنس ولهذا قال : يهدوننا وقد أجمل في الحكاية فأسند القول إلى جميع الأقوام كما أجمل الخطاب والأمر في قوله : يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً [ المؤمنون : 51 ] . فَكَفَرُوا بالرسل وبما جاؤوا به وقيل : كفروا بسبب هذا القول الذي قالوه للرسل ، فالفاء للسببية لا للتعقيب وَتَوَلَّوْا أي اعرضوا عنهم ، ولم يتدبروا فيما جاؤوا به وَاسْتَغْنَى اللَّهُ أي أظهر غناه عن إيمانهم وعبادتهم حيث لم يلجئهم ولم يضطرهم إليه مع قدرته على ذلك ، وقال مقاتل : استغنى اللّه بما أظهره لهم من البرهان ، وأوضحه من المعجزات ، وقيل : استغنى بسلطانه عن طاعة عباده ، وقال الزمخشري : أي ظهر غناه فالسين ليست للطلب وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ أي غير محتاج إلى العالم ولا إلى عبادتهم له ، محمود من كل مخلوقاته بلسان المقال والحال . زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا الزعم هو القول بالظن ، وادعاء العلم ، ويطلق على الكذب ، قال شريح : لكل شيء كنية وكنية الكذب زعموا ، وهو يتعدى إلى مفعولين ، وقوله : أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا ساد مسدهما والمعنى زعم كفار العرب وهم أهل مكة كما قاله أبو حيان : أن الشأن لن يبعثوا أبدا . عن ابن مسعود أنه قيل له : « ما سمعت النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول في « زعموا » ؟ قال : سمعته يقول : بئس مطية الرجل » « 1 » ، أخرجه أحمد والبيهقي وغيرهما ، وعنه أنه كره زعموا ، ثم أمر اللّه سبحانه رسوله صلى اللّه عليه وسلم بأن يرد عليهم ، ويبطل زعمهم فقال : قُلْ بَلى هي لإيجاب النفي ، فالمعنى بلى تبعثون ، ثم أقسم على ذلك بقوله : وَرَبِّي وجواب القسم لَتُبْعَثُنَّ أي لتخرجن من قبوركم ، أكد الإخبار باليمين ، فإن قلت : ما معنى اليمين على شيء أنكروه ، قلت : هو جائز لأن التهدد به أعظم موقعا في القلب ، فكأنه قيل لهم : ما تنكرونه كائن لا محالة ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في الأدب باب 72 ، وأحمد في المسند 4 / 119 ، 5 / 401 .