صديق الحسيني القنوجي البخاري
107
فتح البيان في مقاصد القرآن
السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لعدم اختلاف علمه تعالى ، إذ علمه بما تحت الأرض كعلمه بما فوقها وعلمه بما كان كعلمه بما يكون . لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ أي يختصان به ليس لغيره منهما شيء ، وما كان لعباده منهما فهو من فيضه ، وراجع إليه وتقديم الظرف يفيد الاختصاص به تعالى من حيث الحقيقة لأنه مبدىء كل شيء ومبدعة فكان الملك له حقيقة دون غيره ، ولأن أصول النعم وفروعها منه تعالى ، فالحمد له بالحقيقة ، وحمد غيره إنما يقع من حيث ظاهر الحال ، وجريان النعم على يديه ، والملك هو الاستيلاء ، والتمكن من التصرف في كل شيء على حسب ما أراد في الأزل ، قال الرازي : الملك تمام القدرة واستحكامها ، يقال : ملك بين الملك بالضم ومالك بين الملك بالكسر وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لا يعجزه شيء . هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ أي قدر خلقكم في الأزل ، وكذا قوله : فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ أي مقضي بكفره وإيمانه أزلا ، وقيل : إنه خلق الخلق ، ثم كفروا وآمنوا ، والتقدير هو الذي خلقكم ثم وصفكم فقال : فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ كقوله : وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ [ النور : 45 ] الآية ، قالوا : فإنه خلقهم والمشي فعلهم وهذا اختيار الحسين بن الفضيل قال : لو خلقهم مؤمنين وكافرين لما وصفهم بفعلهم في قوله : فَمِنْكُمْ كافِرٌ إلخ واحتجوا . بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه » « 1 » ، ذكره الخطيب ، قال الضحاك : فمنكم كافر في السر مؤمن في العلانية كالمنافق ، ومنكم مؤمن في السر وكافر في العلانية ، كعمار بن ياسر ونحوه مما أكره على الكفر . وقال عطاء : فمنكم كافر باللّه مؤمن بالكواكب ومنكم مؤمن باللّه ، كافر بالكواكب . قال الزجاج : إن اللّه خلق الكافر ، وكفره فعل له وكسب ، مع أن اللّه خالق الكفر ، وخلق المؤمن ، وإيمانه فعل له وكسب ، مع أن اللّه خالق الإيمان ، والكافر يكفر ويختار الكفر بعد خلق اللّه إياه ، لأن اللّه تعالى قدر ذلك عليه وعلمه منه ، لأن وجود خلاف المقدر عجز ، ووجود خلاف المعلوم جهل ، هذا طريق أهل السنة ، فمن سلك هذا أصاب الحق وسلم من مذهب الجبرية والقدرية ، قال القرطبي : وهذا أحسن الأقوال ، وهو الذي عليه جمهور الأمة وقدم الكافر على المؤمن لأنه الأغلب عند نزول القرآن ، وفيه رد لقول من يقول بالمنزلة بين المنزلتين . وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ لا تخفى عليه من ذلك خافية ، فهو مجازيكم بأعمالكم .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الجنائز باب 80 ، 93 ، وتفسير سورة 30 ، باب 1 ، ومسلم في القدر حديث 22 ، 25 ، وأحمد في المسند 2 / 233 ، 275 ، 393 .