صديق الحسيني القنوجي البخاري

105

فتح البيان في مقاصد القرآن

وجميع ذلك على اختلاف دلالته متواتر فليت شعري كيف ذهب جماعة من أهل العلم إلى مخالفة ذلك كله ، وقالوا : إن أحكام اللّه وقضاءه في سابق علمه لا تغير أصلا فإن استدلوا بمثل قوله تعالى : ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ [ ق : 29 ] ، وما ورد في اللوح المحفوظ ، وما كتب فيه ، وأنه قد جف القضاء ، ونحو ذلك ، فأي فائدة في مثل قوله عز وجل : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [ غافر : 60 ] ؟ فإن هذا أمر منه عز وجل لعباده بدعائه ، وأي فائدة في أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بأن يخبر عباده أنه قريب مجيب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه ؟ وأي فائدة في قوله عز وجل ، مخبرا لعباده يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ [ الرعد : 39 ] وعلمنا سبحانه كيف ندعو في نحو قوله : رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا [ البقرة : 286 ] إلى آخر الآية . وحكى لنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « كما ثبت في الصحيح أن اللّه عز وجل قال عند هذه الدعوات : قد فعلت » ، وكذلك سائر ما قصه اللّه علينا في كتابه من إجابته لدعوة أنبيائه كما في قوله : حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا [ يوسف : 110 ] ، وفي مثل : إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ [ محمد : 7 ] وما شابه ذلك من الآيات ، وما شوهد من نبينا صلى اللّه عليه وسلم من إجابة دعواته في مواطن يتعسر إحصاؤها ، وما شوهد من صالحي هذه الأمة في كل قرن من القرون من إجابة دعواتهم في الحال . ومن جهل هذا أو بعضه نظر في مثل حلية الأولياء ، ومثل رسالة القشيري ، ومثل صفوة الصفوة لابن الجوزي ، وغير ذلك مما يكثر تعداده ، بل ينظر في الدعوات المجابة من الصحابة رضي اللّه عنهم ، وكما وقع من جماعة كثيرة من السلف رحمهم اللّه تعالى أنهم كانوا يقولون في أدعيتهم : اللهم إن كنت قد كتبتني في ديوان الأشقياء فانقلني إلى ديوان السعداء بعبارات مختلفة هذه إحداها ، وبالجملة فالكتاب العزيز والسنة المتواترة ترد عليهم ردا أوضح من شمس النهار . وطائفة قالت : إن الأقضية نوعان مطلقة ومقيدة ، فالمطلقة ما لم تكن مشروطة بشروط واقعة ، وإلا فلا ، وهذا القول وإن كان مردودا مثل الأول إلا أنه أقل مفسدة منه ، وإن كان رأيا بحتا ليس عليه دليل ، وبالجملة فالبحث يطول فلنقتصر على هذا المقدار ، والحمد للّه أولا وآخرا ، واستنبط بعضهم من هذه الآية عمر النبي صلى اللّه عليه وسلم ، لأن السورة رأس ثلاث وستين سورة ، وعقبت بالتغابن إشارة لظهور التغابن بوفاته صلى اللّه عليه وسلم ، ذكره الكرخي ، وليس هذا من تفسير الكتاب في شيء ، بل من لطائف الكلام وتفنن المرام .