صديق الحسيني القنوجي البخاري

93

فتح البيان في مقاصد القرآن

بمكة ، ويزوجوه ما أراد من النساء ، ويطؤون عقبه فقالوا له : هذا لك يا محمد وتكف عن شتم آلهتنا ، ولا تذكرها بسوء ، قال : حتى أنظر ما يأتيني من ربي ، فجاء بالوحي : قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ [ الكافرون : 1 ] إلى آخر السورة ، وأنزل اللّه عليه قُلْ أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي إلى قوله : مِنَ الْخاسِرِينَ . وَلَقَدْ هذه اللام دالة على قسم مقدر أي واللّه لقد أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ من الرسل لَئِنْ جواب القسم وهذه اللام أيضا دالة على قسم مقدر أي واللّه لئن أَشْرَكْتَ يا محمد فرضا لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ وكل من هاتين اللامين واقعة في جواب القسم الثاني ، والثاني وجوابه جواب الأول ، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه ، وهذا الكلام من باب التعريض لغير الرسل ، لأن اللّه سبحانه قد عصمهم عن الشرك ، ووجه إيراده على هذا الوجه التحذير والانذار للعباد من الشرك ، لأنه إذا كان موجبا لإحباط عمل الأنبياء على الفرض والتقدير ، فهو محبط لعمل غيرهم من أممهم بطريق الأولى . قيل وفي الكلام تقديم وتأخير ، والتقدير ولقد أوحي إليك لئن أشركت الخ وأوحى إلى الذين من قبلك كذلك ، قال مقاتل أي أوحي إليك وإلى الأنبياء قبلك بالتوحيد ، والتوحيد محذوف ، ثم قال : لئن أشركت يا محمد ليحبطن عملك ، وهو خطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم خاصة . وقيل إفراد الخطاب في لئن أشركت ، باعتبار كل واحد من الأنبياء كأنه قيل أوحي إليك وإلى كل واحد من الأنبياء هذا الكلام ، لئن أشركت ، وهذه الآية مقيدة بالموت على الشرك كما في الآية الأخرى وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ [ البقرة : 217 ] وقيل هذا خاص بالأنبياء لأن الشرك منهم أعظم ذنبا من الشرك من غيرهم والأول أولى ، ثم أمر اللّه سبحانه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بتوحيده فقال : [ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 66 إلى 67 ] بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ( 66 ) وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 67 ) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وفي هذا رد على المشركين حيث أمروه بعبادة الأصنام ووجه الرد ما يفيده التقديم من القصر ، قال الزجاج ، لفظ اسم اللّه منصوب باعبد قال ولا اختلاف في هذا بين البصريين والكوفيين ، وقال الفراء هو منصوب بإضمار فعل ، وعن الكسائي مثله ، والأول أولى . قال الزجاج : والفاء في فاعبد للمجازاة ، وقال الأخفش زائدة قال عطاء ومقاتل . معنى فاعبد وحّد لأن عبادته لا تصح إلا بتوحيده وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ لإنعامه عليك بما هداك إليه من التوحيد والدعاء إلى دينه ، واختصك به من الرسالة .