صديق الحسيني القنوجي البخاري

88

فتح البيان في مقاصد القرآن

وعن أنس قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « قال اللّه عز وجل يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ، ولا أبالي ، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي يا ابن آدم لو أنك أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة » « 1 » أخرجه الترمذي والعنان السحاب ، والقراب بضم القاف هو ما يقارب ملؤها . [ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 54 إلى 59 ] وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ( 54 ) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ( 55 ) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ( 56 ) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ( 57 ) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ( 58 ) بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ ( 59 ) وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ أي ارجعوا إليه بالطاعة لما بشرهم سبحانه بأنه يغفر الذنوب جميعا أمرهم بالرجوع إليه ، بفعل الطاعات ، واجتناب المعاصي وليس في هذا ما يدل على تقييد الآية الأولى بالتوبة ، لا بمطابقة ، ولا تضمن ، ولا التزام ، بل غاية ما فيها أنه بشرهم بتلك البشارة العظمى . ثم دعاهم إلى الخير وخوفهم من الشر على أنه يمكن أن يقال إن هذه الجملة مستأنفة خطابا للكفار الذين لم يسلموا بدليل قوله : وَأَسْلِمُوا لَهُ جاء بها لتحذير الكفار وإنذارهم بعد ترغيب المسلمين بالآية الأولى ، وتبشيرهم ، وهذا وإن كان بعيدا ولكنه يمكن أن يقال به ، والمعنى على ما هو الظاهر أن اللّه جمع لعباده بين التبشير العظيم ، والأمر بالإنابة إليه ، والإخلاص له ، والاستسلام لأمره ، والخضوع لحكمه . وقوله : مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ أي عذاب الدنيا كما يفيده النظم ، فليس في ذلك ما يدل على ما زعمه الزاعمون ، وتمسك به القانطون المقنطون والحمد للّه رب العالمين ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ أي لا تمنعون من العذاب إن لم تتوبوا قبل نزول العقاب . وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ يعني القرآن ، يقول : أحلوا حلاله ، وحرموا حرامه والقرآن كله حسن . قال الحسن : التزموا طاعته ، واجتنبوا معاصيه . وقال السدي الأحسن ما أمر اللّه به في كتابه . وقال ابن زيد : يعني المحكمات ، وكلوا علم المتشابه إلى عالمه . وقيل : الناسخ دون المنسوخ . وقيل العفو دون الانتقام بما يحق فيه الانتقام . وقيل أحسن ما

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في الدعوات باب 98 ، والدارمي في الرقاق باب 72 ، وأحمد في المسند 5 / 167 ، 172 .