صديق الحسيني القنوجي البخاري
81
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ اللات والعزى وغيرهما من الأصنام إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ أي يفرحون بذلك ، ويبتهجون به ، والعامل في إِذا في قوله وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ الفعل الذي بعدها وهو اشمأزت ، والعامل في إذا في قوله وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ الخ الفعل العامل في إذا الفجائية ، والتقدير فاجأوا الاستبشار وقت ذكر الذين من دونه ، وذلك لفرط افتتانهم بها ، ونسيانهم حق اللّه . ولقد بالغ في الأمرين حتى بلغ الغاية فيهما ، فإن الاستبشار أن يمتلئ قلبه سرورا حتى تنبسط له بشرة وجهه ، والاشمئزاز أن يمتلئ غضبا وغما حتى ينقبض أديم وجهه ، ولما لم يقبل المتمردون من الكفار ما جاءهم به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من الدعاء إلى الخير ، وصمموا على كفرهم أمره اللّه سبحانه ، أن يرد الأمر إلى اللّه سبحانه ، ويلتجىء إليه تعالى بالدعاء لما تحير في أمرهم ، وعجز في عنادهم وشدة شكيمتهم ، فإنه القادر على الأشياء ، العالم بالأحوال كلها فقال : قُلِ اللَّهُمَّ أصله يا اللّه عوض عنها الميم لقربها من حروف العلة ، وشددت لتكون على حرفين كالمعوض عنه ، ولذا لم يجمع بينهما ، فلا يقال : يا اللهم في فصيح الكلام ، وما سمع من قوله : إني إذا ما حدث ألمّا * أقول : يا اللهم يا اللهمّا « 1 » فضرورة قاله الرضي فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي مبدعهما عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أي ما غاب وشوهد ، وهما منصوبان على النداء : أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من الهدى والضلالة ، والمعنى تجازي المحسن بإحسانه ، وتعاقب المسئ بإساءته ، فإنه بذلك يظهر من هو المحق ، ومن هو المبطل ، ويرتفع عنده خلاف المختلفين ، وتخاصم المتخاصمين . وقيل : هذه محاكمة من النبي للمشركين إلى اللّه تعالى . وعن ابن المسيب : لا أعرف آية قرئت فدعي عندها إلا أجيب سواها ، وعن الربيع بن خيثم - وكان قليل الكلام - أنه أخبر بقتل الحسين رضي اللّه عنه ، وقالوا
--> ( 1 ) الرجز لأبي خراش الهذلي في الدرر 3 / 41 ، وشرح أشعار الهذليين 3 / 1346 ، والمقاصد النحوية 4 / 216 ، ولأمية بن أبي الصلت في خزانة الأدب 2 / 295 ، وبلا نسبة في أسرار العربية ص 232 ، والإنصاف ص 341 ، وأوضح المسالك 4 / 31 ، وجواهر الأدب ص 96 ، ورصف المباني ص 306 ، وسر صناعة الإعراب 1 / 419 ، 2 / 430 ، وشرح الأشموني 2 / 449 ، وشرح ابن عقيل ص 519 ، وشرح عمدة الحافظ ص 300 ، ولسان العرب ( أله ) ، واللمع في العربية ص 197 ، والمحتسب 2 / 238 ، والمقتضب 4 / 242 ، ونوادر أبي زيد ص 165 ، وهمع الهوامع 1 / 178 ، وتهذيب اللغة 6 / 426 ، والمخصص 1 / 137 .