صديق الحسيني القنوجي البخاري
8
فتح البيان في مقاصد القرآن
أي التي أدركنا عليها آباءنا وعن قتادة مثله وقال الحسن المعنى ما سمعنا أن هذا يكون في آخر الزمان ، وقيل إن المعنى ما سمعنا من اليهود والنصارى أن محمدا رسول اللّه . إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ أي ما هذا إلا كذب اختلقه محمد وافتراه من تلقاء نفسه وافتعله ، ثم استنكروا أن يخص اللّه رسوله بمزية النبوة دونهم فقالوا : أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا والاستفهام للانكار ، أي كيف يكون ذلك ونحن الرؤساء والأشراف ، قال الزجاج : قالوا : كيف أنزل على محمد القرآن من بيننا ؟ ونحن أكبر سنا وأعظم شرفا منه ، وهذا مثل قولهم لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [ الزخرف : 31 ] فأنكروا أن يتفضل اللّه سبحانه على من يشاء من عباده بما شاء . ولما ذكر استنكارهم لنزول القرآن على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم دونهم ، بين السبب الذي لأجله تركوا التصديق برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيما جاء به فقال : بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي أي من القرآن أو الوحي ، لإعراضهم عن النظر الموجب لتصديقه ، وإهمالهم للأدلة الدالة على أنه حق منزل من عند اللّه بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ أي بل السبب أنهم لم يذوقوا عذابي فاغتروا بطول المهلة . ولو ذاقوا عذابي على ما هم عليه من الشرك والشك لصدقوا ما جئت به من القرآن ، ولم يشكوا فيه ، وذوقهم له متوقع فإذا ذاقوه زال عنهم الشك ، وصدقوا ، وتصديقهم لا ينفعهم حينئذ لأنهم صدقوا مضطرين فقوله : بل لما يذوقوا إضراب عن الإضراب الأول خلاف ما يفهم من الكشاف من تعلقه بالكلامين قبله . أَمْ أي بل أ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ أي مفاتيح نعم ربك وهي النبوة وما هو دونها من النعم ، حتى يعطوها من شاؤوا فما لهم ولإنكار ما تفضل اللّه به على هذا النبي واختاره له واصطفاه لرسالته والمعنى أن النبوة عطية من اللّه يتفضل بها على من يشاء من عباده لا مانع له فإنه العزيز الغالب القاهر الذي لا يغلب الوهاب المعطي بغير حساب ، الذي له أن يهب كل ما يشاء لمن يشاء ثم رشح ذلك فقال : أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما أي : بل ألهم ملك هذه الأشياء حتى يعطوا من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا ويعترضوا على إعطاء اللّه سبحانه ما شاء لمن شاؤوا المعنى أنه ليس لهم مدخل في أمر هذا العالم الجسماني الذي هو جزء يسير من خزائنه ، فمن أين لهم أن يتصرفوا فيها . وقوله : فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ جواب شرط محذوف أي إن كان لهم ذلك فليصعدوا في الأسباب أي المعارج والمناهج ، والطرق التي توصلهم إلى السماء أو إلى العرش حتى يستووا عليه ويحكموا بما يريدون من عطاء ومنع ويدبروا أمر العالم بما يشتهون أو فليصعدوا وليمنعوا الملائكة من نزولهم بالوحي على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم .