صديق الحسيني القنوجي البخاري

75

فتح البيان في مقاصد القرآن

وقال : لا نعرف أثوى ثم ذكر سبحانه فريق المؤمنين المصدقين فقال : وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ الموصول في موضع رفع بالابتداء وهو عبارة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومن تابعه . وقيل الذي جاء بالصدق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، والذي صدق به أبو بكر ، قاله علي بن أبي طالب ، وعن أبي هريرة مثله ، وقال مجاهد الذي جاء بالصدق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، والذي صدق به علي بن أبي طالب . وقال السدي الذي جاء بالصدق جبريل ، والذي صدق به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقال قتادة ومقاتل وابن زيد الذي جاء بالصدق النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والذي صدق به المؤمنون . وقال النخعي الذي جاء بالصدق وصدق به هم المؤمنون الذين يجيئون بالقرآن يوم القيامة . وقيل إن ذلك عام في كل من دعا إلى توحيد اللّه وأرشد إلى ما شرعه لعباده ، واختار هذا ابن جرير وهو الذي اختاره من هذه الأقوال ، ويؤيده قراءة ابن مسعود ، والذين جاؤوا بالصدق وصدقوا به ، وقرىء صدق به بالتخفيف ، أي صدق به الناس ، قال ابن عباس الذي جاء بالصدق يعني بلا إله إلا اللّه وصدق به يعني برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقيل الذي جاء بالصدق هو جبريل جاء بالقرآن وصدق به محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلم . وقيل الذي جاء بالصدق الأنبياء وصدق به الأتباع والكل صحيح . قالوا والوجه في العربية أن يكون جاء وصدق لفاعل واحد ، لأن التغاير يستدعي إضمار الذي وذا غير جائز وإضمار الفاعل من غير تقدم الذكر وذا بعيد . ولفظ الذي كما وقع في قراءة الجمهور وإن كان مفردا فمعناه الجمع لأنه يراد به الجنس كما يفيده قوله أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ أي المتصفون بالتقوى التي هي عنوان النجاة ، قال ابن عباس : يعني اتقوا الشرك : ثم ذكر سبحانه ما لهؤلاء الصادقين المصدقين في الآخرة فقال : لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ أي لهم كل ما يشاؤونه من رفع الدرجات ، ودفع المضرات ، وتكفير السيئات ، وجلب المنافع ، وفي هذا ترغيب عظيم وتشويق بالغ ذلِكَ أي ما تقدم ذكره من جزائهم ، وهو مبتدأ وخبره جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ أي الذين أحسنوا في أعمالهم ، وقد ثبت في الصحيح عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، « إن الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه ، فإنه يراك » « 1 » ، ثم بين سبحانه ما هو الغاية مما لهم عند ربهم فقال : لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا فإن ذلك هو أعظم ما يرجونه من دفع الضرر عنهم ، لأن اللّه سبحانه إذا غفر لهم ما هو الأسوأ من أعمالهم غفر لهم ما دونه بطريقة

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 31 ، باب 2 ، والإيمان باب 37 ، ومسلم في الإيمان حديث 57 ، وأبو داود في السنة باب 16 ، والترمذي في الإيمان باب 4 ، وابن ماجة في المقدمة باب 9 ، وأحمد في المسند 1 / 27 ، 51 ، 53 ، 319 ، 2 / 407 ، 426 ، 4 / 129 ، 164 .