صديق الحسيني القنوجي البخاري
69
فتح البيان في مقاصد القرآن
عجزهم عن معارضته اقشعرت الجلود منه إعظاما له ، وتعجبا من حسنه وبلاغته . عن عبد اللّه بن عبد اللّه بن الزبير قال : قلت لجدتي أسماء كيف كان يصنع أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إذا قرأوا القرآن ؟ قالت : « كانوا كما نعتهم اللّه تدمع أعينهم ، وتقشعر جلودهم ، قلت : فإن ناسا ههنا إذا سمعوا ذلك تأخذهم عليه غشية ، قالت : أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم » . ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ عدى تلين بإلى لتضمينه فعلا يتعدى بها ، كأنه قيل : سكنت واطمأنت إلى ذكر اللّه لينة غير منقبضة ، ومفعول ذكر اللّه محذوف ، والتقدير إلى ذكر اللّه رحمته وثوابه وجنته وحذف للعلم به . قال بعض العارفين : إذا نظروا إلى عالم الجلال طاشوا ، وإذا لاح لهم عالم الجمال عاشوا . قال قتادة : هذا نعت أولياء اللّه نعتهم بأنهم تقشعر جلودهم وتطمئن قلوبهم إلى ذكر اللّه ، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم ، والغشيان عليهم إنما ذلك في أهل البدع وهو من الشيطان . وروي أن ابن عمر مر برجل من أهل العراق ساقط فقال : ما بال هذا . قالوا : أنه إذا قرىء عليه القرآن أو سمع ذكر اللّه سقط ، فقال ابن عمر : إنا لنخشى اللّه وما نسقط ، وعنه قال : إن الشيطان يدخل في جوف أحدهم ، ما كان هذا صنيع أصحاب محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . وذكر عند ابن سيرين الذين يصرعون إذا قرىء عليهم القرآن فقال : بيننا وبينهم أن يقعد أحدهم على ظهر بيت باسطا رجليه ، ثم يقرأ عليه القرآن من أوله إلى آخره . فإن رمى بنفسه فهو صادق . وذكرت الجلود وحدها أولا ثم قرنت بها القلوب ثانيا لأن محل الخشية القلب فكان ذكرها يتضمن ذكر القلوب ، وقيل : إن المكاشفة في مقام الرجاء أكمل منها في مقام الخوف ، لأن الخير مطلوب بالذات ، والخوف ليس بمطلوب ، وإذا حصل الخوف اقشعر منه الجلد ، وإذا حصل الرجاء اطمأن إليه القلب ، ولان الجلد . ذلِكَ الكتاب الموصوف بتلك الصفات هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ أن يهديه من عباده ، وقيل الإشارة إلى ما وهبه اللّه لهؤلاء من خشية عذابه ورجاء ثوابه وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ أي يجعل قلبه مظلما قاسيا غير قابل للحق فَما لَهُ مِنْ هادٍ يهديه إلى الحق ، ويخلصه من الضلال ، قرأ الجمهور مِنْ هادٍ بغير ياء وقرىء بالياء ، ثم لما حكم على القاسية قلوبهم بحكم في الدنيا وهو الضلال ، حكم عليهم في الآخرة بحكم آخر وهو العذاب فقال : [ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 24 إلى 30 ] أَ فَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ( 24 ) كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ( 25 ) فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( 26 ) وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 27 ) قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ( 28 ) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 29 ) إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ( 30 )