صديق الحسيني القنوجي البخاري

66

فتح البيان في مقاصد القرآن

المؤمن فيزداد إيمانا ويقينا ، وأما الذي في قلبه مرض فإنه يهيج كما يهيج الزرع ، وهذا بالتغيير أشبه منه بالتفسير ، ثم لما ذكر سبحانه : إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ ذكر شرح الصدر للاسلام لأن الانتفاع الكامل لا يحصل إلا به فقال : [ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 22 إلى 23 ] أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 22 ) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ ( 23 ) أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ أي وسعه لقبول الحق وفتحه للاهتداء إلى سبيل الخير ، قال السدي : وسع صدره للاسلام للفرح به ، والطمأنينة إليه . وشرح الصدر للإسلام عبارة عن تكميل الاستعداد له ، فإنه محل للقلب الذي هو منبع الروح التي تتعلق بها النفس القابلة للإسلام ، فانشراحه مستدع لانشراح القلب ، والكلام في الهمزة والفاء كما تقدم في أَ فَمَنْ حَقَّ [ الزمر : 19 ] ومن الخ مبتدأ وخبرها محذوف تقديره كمن قسا قلبه ، وطبع اللّه عليه ، وحرج صدره فلم يهتد . ودل على هذا الخبر المحذوف قوله : فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ والمعنى أفمن وسع اللّه صدره للاسلام فقبله واهتدى بهديه فَهُوَ بسبب ذلك الشرح عَلى نُورٍ أي على بيان وبصيرة ويقين وهداية مِنْ رَبِّهِ يفيض عليه كمن قسي قلبه لسوء اختياره ؟ فصار في ظلمات الضلالة وبليات الجهالة . قال قتادة : النور كتاب اللّه به يؤخذ وإليه ينتهي . قال الزجاج تقدير الآية أفمن شرح اللّه صدره كمن طبع على قلبه فلم يهتد لقسوته ؟ قال ابن عباس من شرح اللّه صدره للاسلام أبو بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه . وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال : « تلا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم هذه الآية قلنا : يا نبي اللّه كيف انشراح صدره ؟ قال : إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح ، قلنا : فما علاقة ذلك يا رسول اللّه ؟ قال الإنابة إلى دار الخلود ، والتجافي عن دار الغرور والتأهب للموت قبل نزول الموت » . وأخرج ابن مردويه عن محمد بن كعب القرظي مرفوعا مرسلا وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن ابن عمر أن رجلا قال : « يا نبي اللّه أي المؤمنين أكيس ؟ قال أكثرهم ذكرا للموت وأحسنهم له استعدادا ، وإذا دخل النور في القلب انفسح واستوسع ، فقالوا ما آية ذلك يا نبي اللّه ؟ قال الإنابة إلى دار الخلود ، والتجافي عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل نزول الموت » ، وأخرجه