صديق الحسيني القنوجي البخاري
49
فتح البيان في مقاصد القرآن
مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ صلة للتنزيل ، أو خبر بعد خبر ، أو خبر مبتدأ محذوف ، أو متعلق بمحذوف على أنه حال عمل فيه اسم الإشارة المقدر . إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ أي أنزلناه بسبب الحق ، وإثباته وإظهاره ، أو متلبسين بالحق ، أو متلبسا أو بداعية الحق واقتضائه للإنزال ، والمراد كل ما فيه من إثبات التوحيد والنبوة والمعاد وأنواع التكاليف . قال مقاتل : يقول لم ننزله باطلا لغير شيء ، وهذا ليس بتكرار ، لأن الأول كالعنوان للكتاب ، والثاني لبيان ما في الكتاب ، أو المراد بالثاني هو الأول وإظهار لتعظيمه ومزيد الاعتناء بشأنه . فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها أي ممحضا له الدين من الشرك والرياء بالتوحيد ، وتصفية السر . والإخلاص أن يقصد العبد بعمله وجه اللّه سبحانه ، والدين العبادة والطاعة ، ورأسها توحيد اللّه ، وأنه لا شريك له . وفي الآية دليل على وجوب النية وإخلاصها عن الشوائب لأن الإخلاص من الأمور القلبية التي لا تكون إلا بأعمال القلب وقد جاء في السنة الصحيحة أن ملاك الأمر في الأقوال والأفعال النية كما في حديث « إنما الأعمال بالنيات » « 1 » وحديث « لا قول ولا عمل إلا بالنية » . أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ مستأنفة مقررة لما قبلها من الأمر بالإخلاص ، أي إن الدين الخالص من شوائب الشرك وغيره هو للّه وما سواه من الأديان فليس بدين اللّه الخالص ، الذي أمر به . قال قتادة الدين الخالص شهادة أن لا إله إلا اللّه . وقد أخرج ابن مردويه عن يزيد الرقاشي أن رجلا قال « يا رسول اللّه إنا نعطي أموالنا التماس الذكر فهل لنا في ذلك من أجر ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : لا ، قال يا رسول اللّه إنما نعطي التماس الأجر والذكر فهل لنا أجر ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إن اللّه لا يقبل إلا ما أخلص له » ثم تلا هذه الآية ، وقال الحسن الدين الإسلام . ولما أمر سبحانه بعبادته على وجه الإخلاص ، وأن الدين الخالص له لا لغيره ، بين بطلان الشرك الذي هو مخالف للإخلاص فقال : وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ الموصول عبارة من المشركين ، ومحله الرفع
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في بدء الوحي باب 1 ، والإيمان باب 41 ، والإكراه في الترجمة ، والنكاح باب 5 ، والطلاق باب 11 ، ومناقب الأنصار باب 45 ، والعتق باب 6 ، والأيمان باب 23 ، والحيل باب 1 ، ومسلم في الإمارة حديث 155 ، وأبو داود في الطلاق باب 11 ، والترمذي في فضائل الجهاد باب 16 ، والنسائي في الطهارة باب 59 ، والطلاق باب 24 ، والأيمان باب 19 ، وابن ماجة في الزهد باب 26 ، وأحمد في المسند 1 / 25 ، 43 .